وفيها حجّ من البصرة إبراهيم بن مطهّر الكاتب على عجلة تجرّها الإبل، وتعجّب النّاس من ذلك.
وفي سنة ثلاث وأربعين قدم المتوكّل دمشق، فأعجبته، وبني له القصر بداريّا، وعزم على سكناها، فقال يزيد بن محمد المهلّبي (١): [من الوافر]
أظنّ الشّام تشمت بالعراق … إذا عزم الإمام على انطلاق
فإن تدع العراق وساكنيه … فقد تبلى المليحة بالطّلاق
فبدا له ورجع بعد شهرين أو ثلاثة.
وفي سنة أربع وأربعين قتل المتوكل يعقوب بن السّكّيت الإمام في العربيّة؛ فإنّه ندبه إلى تعليم أولاده، فنظر المتوكّل يوما إلى ولديه المعتز والمؤيّد فقال لابن السّكّيت: من أحبّ إليك، هما أو الحسن والحسين؟ فقال: قنبر - يعني مولى عليّ - خير منهما؛ فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتّى مات؛ وقيل: أمر بسلّ لسانه فمات، وأرسل إلى ابنه بديته؛ وكان المتوكّل رافضيّا.
وفي سنة خمس وأربعين عمّت الزّلازل الدّنيا، فأخربت المدن والقلاع والقناطر، وسقط من أنطاكيّة جبل في البحر، وسمع من السماء أصوات هائلة، وزلزلت مصر، وسمع أهل بلبيس من ناحية مصر صيحة هائلة، فمات خلق من أهل بلبيس، وغارت عيون مكّة، فأرسل المتوكل مائة ألف دينار لإجراء الماء من عرفات إليها.
وكان المتوكّل جوادا ممدّحا، يقال: ما أعطى خليفة شاعرا ما أعطى المتوكّل؛ وفيه يقول مروان بن أبي الجنوب (٢): [من الطويل]
فأمسك ندى كفّيك عنّي ولا تزد … فقد خفت أن أطغى وأن أتجبّرا
فقال: لا أمسك حتّى يغرقك جودي؛ وكان أجازه على قصيدة بمائة ألف وعشرين ألفا.
(١) البيتان في تاريخ الطبري ٩/ ٢٠٩، وتاريخ الإسلام ١٨/ ١٠. (٢) تاريخ بغداد ١٣/ ١٥٤ وتاريخ الإسلام ١٨/ ١٩٨.