وكاتبة بالمسك في الخدّ جعفرا … بنفسي مخطّ المسك من حيث أثّرا
لئن أودعت سطرا من المسك خدّها … لقد أودعت قلبي من الحبّ أسطرا
وفي كتاب «المحن» للسّلمي أنّ ذا النّون أوّل من تكلّم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية، فأنكر عليه عبد اللّه بن عبد الحكم - وكان رئيس مصر، ومن جلّة أصحاب مالك - وأنّه أحدث علما لم يتكلّم فيه السّلف، ورماه بالزّندقة، فدعاه أمير مصر وسأله عن اعتقاده، فتكلّم، فرضي أمره، وكتب به إلى المتوكّل، فأمر بإحضاره، فحمل على البريد، فلمّا سمع كلامه أولع به وأحبّه وأكرمه، حتّى كان يقول: إذا ذكر الصالحون فحيّهلا بذي النّون.
كان المتوكّل بايع بولاية العهد لابنه المنتصر، ثم المعتزّ، ثم المؤيّد، ثم إنّه أراد تقديم المعتز لأمّه، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد، فأبى، فكان يحضره مجلس العامّة، ويحطّ منزلته ويتهدّده ويشتمه ويتوعّده؛ واتّفق أنّ التّرك انحرفوا عن المتوكّل لأمور، فاتّفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه، فدخل عليه خمسة وهو في جوف اللّيل في مجلس لهوه، فقتلوه هو ووزيره الفتح بن خاقان، وذلك في خامس شوّال سنة سبع وأربعين ومائتين.
ورؤى في النوم فقيل له: ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي بقليل من السّنّة أحييتها.
ولمّا قتل رثته الشّعراء؛ ومن ذلك قول يزيد المهلّبي (١): [من البسيط]
جاءت منيّته والعين هاجعة … هلاّ أتته المنايا والقنا قصد
خليفة لم ينل ما ناله أحد … ولم يصغ مثله روح ولا جسد
وكان من حظاياه وصيفة تسمّى محبوبة، شاعرة عالمة بصنوف العلم عوّادة؛ فلمّا قتل ضمّت إلى بغا الكبير، فأمر بها يوما للمنادمة، فجلست منكّسة، فقال: غنّي؛ فاعتلّت، فأقسم عليها وأمر بالعود، فوضع في حجرها، فغنّت ارتجالا (٢)
(١) البيتان في مروج الذهب ٥/ ٤١ وتاريخ الإسلام ١٨/ ٢٠٢. (٢) الخبر والأبيات في مروج الذهب ٥/ ٤٤ والإماء الشواعر ١٦١ والأغاني ٢٢/ ١٩٩ و ٢٠٠ ونساء الخلفاء ٩٤ ومختصر تاريخ دمشق ٦/ ٩٢.