قال: فأجابوا كلّهم عند ذلك، إلاّ أحمد بن حنبل، وسجّادة، ومحمد بن نوح، والقواريري؛ فأمر بهم إسحاق فقيّدوا، ثم سألهم من الغد - وهم في القيود - فأجاب سجّادة، ثم عاودهم ثالثا فأجاب القواريري، ووجّه بأحمد بن حنبل ومحمد بن نوح إلى الرّوم.
ثم بلغ المأمون أنّ الذين أجابوا إنّما أجابوا مكرهين، فغضب وأمر بإحضارهم إليه، فحملوا إليه، فبلغتهم وفاة المأمون قبل وصولهم إليه، ولطف اللّه بهم، وفرّج عنهم.
وأمّا المأمون فمرض بالرّوم، فلمّا اشتد مرضه طلب ابنه العبّاس ليقدم عليه وهو يظنّ أنّه لا يدركه، فأتاه وهو مجهود وقد نفذت الكتب إلى البلدان فيها: من عبد اللّه المأمون وأخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده، بهذا النصّ، فقيل: إنّ ذلك وقع بأمر المأمون، وقيل: بل كتبوا ذلك وقت غشي أصابه.
ومات المأمون يوم الخميس لاثنتي عشرة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة بالبدندون من أقصى الرّوم، ونقل إلى طرسوس، فدفن بها.
قال المسعودي (١): كان نزل على عين البدندون، فأعجبه برد مائها وصفاؤه وطيب حسن الموضع وكثرة الخضرة، فرأى فيها سمكة كأنّها سبيكة فضّة، فأعجبته، فلم يقدر أحد يسبح في العين لشدّة بردها، فجعل لمن يخرجها سيفا، فنزل فرّاش فاصطادها وطلع، فاضطربت وفرّت إلى الماء، فتنضّح صدر المأمون ونحره وابتل ثوبه، ثم نزل الفرّاش ثانية فأخذها، فقال المأمون: تقلى السّاعة؛ ثم أخذته رعدة، فغطّي باللّحف - وهو يرتعد ويصيح - فأوقدت حوله نار، فأتي بالسّمكة، فما ذاقها لشغله بحاله؛ ثم أفاق المأمون من غمرته، فسأل عن تفسير المكان بالعربي؟ فقيل:
مدّ رجليك؛ فتطيّر به، ثم سأل عن اسم البقعة، فقيل: الرّقّة؛ وكان فيما علم من مولده أنّه يموت بالرّقّة، فكان يتجنّب نزول الرّقّة، فلمّا سمع هذا من الرّوم عرف