ثم عاد في سنة ست عشرة إلى الرّوم وافتتح عدّة حصون، ثم عاد إلى دمشق، ثم توجه إلى مصر ودخلها، فهو أوّل من دخلها من الخلفاء العباسيّين.
ثم عاد في سنة سبع عشرة إلى دمشق والرّوم.
وفي سنة ثمان عشرة امتحن النّاس بالقول بخلق القرآن؛ فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي، ابن عمّ طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتابا يقول فيه (١): وقد عرف أمير المؤمنين أنّ الجمهور الأعظم والسّواد الأكبر من حشوة الرّعيّة وسفلة العامّة ممّن لا نظر له ولا رويّة ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه أهل جهالة باللّه، وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه، وقصور أن يقدروا اللّه حقّ قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرّقوا بينه وبين خلقه، وذلك أنّهم ساووا بين اللّه وبين ما أنزل من القرآن؛ فأطبقوا على أنّه قديم لم يخلقه اللّه ويخترعه، وقد قال اللّه تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (٢) فكلّ ما جعله اللّه فقد خلقه كما قال اللّه تعالى: ﴿وَجَعَلَ اَلظُّلُماتِ وَاَلنُّورَ﴾ (٣) وقال: ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ (٤) فأخبر أنّه قصص لأمور أحدثه بعدها، وقال: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (٥) واللّه محكم كتابه ومفصّله فهو خالقه ومبتدعه؛ ثم انتسبوا إلى السّنّة واظهروا أنّهم أهل الحقّ والجماعة، وأنّ من سواهم أهل الباطل والكفر؛ فاستطالوا بذلك وغرّوا به الجهّال، حتّى مال قوم من أهل السّمت الكاذب والتّخشّع لغير اللّه إلى موافقتهم، فتركوا الحقّ إلى باطلهم، واتّخذوا دون اللّه وليجة إلى ضلالهم.
إلى أن قال: فرأى أمير المؤمنين أنّ أولئك شرّ الأمّة المنقوصون من التّوحيد حظّا، وأوعية الجهالة وأعلام الكذب، ولسان إبليس النّاطق في أوليائه والهائل على أعدائه من أهل دين اللّه؛ وأحقّ من يتّهم في صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به من عمي
(١) تاريخ الطبري ٨/ ٦٣١، تاريخ الإسلام ١٥/ ٢٠. (٢) سورة الزخرف ٣: ٤٣. (٣) سورة الأنعام ١: ٦. (٤) سورة طه ٩٩: ٢٠. (٥) سورة هود ١: ١١.