قال أبو منصور التميمي واعتزالهم يدور على ثلاثة أشياء؛ وهو القول بالقدر وقد تقدم نقل الأشعري إجماعهم عليه، قال: وبنفي الصفات، وبالمنزلة بين المنزلتين.
فنقول: أما القول بالقدر، فإنَّهم زعموا أنَّ الله خالق لأفعال العباد، وأن العباد خالقون لأفعالهم مقدورون لها، وأن الله لا يضل أحدًا، وأنكروا أن يكون الله خص بعض العباد من النعم بما يقتضي إيمانهم به وطاعتهم له، وأن نعمته على أبي بكر كنعمتة على أبي لهب، وأن هؤلاء أحدثوا أعمالًا صالحة، وهؤلاء أحدثوا أعمالًا فاسدة، وقد ذمهم السلف على هذه المقالة - كما تقدم ذكره - وأتوا عليه بحجج وأدلة لا محيد لهم عنها من الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقد أخبر سبحانه في عدة مواضع أنه خالق كل شيء، وأنه خلق كل شيء فقدره تقديرا، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١).
وقال محمد بن نصر، ليس بين العلماء اختلاف في أنَّ الإيمان شيء والكفر شيء، وأفعال العباد كلها أشياء، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (٢).
فيقال للقدرية: قد قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٣)، فإن قالوا: لا يجوز ذلك؛ لأنه لو كان خلق الأفعال ما أثاب على الطاعة، ولا عاقب على المعصية، قلنا: أكذبتم أنفسكم، ونقضتم جملة ما أعطيتم من الإقرار بأنَّ الله خالق كل شيء ومن أضل وأجهل وأشدّ معاندة، وخلافًا لكتاب الله ممن سمع الله ﷿ يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤) ثم زعم أنَّ أكثر من مائة ألف ألف شيء سوى الله لم يخلقه؛ وذلك أن أهل السماوات والأرض من الملائكة والجن والانس أجسام، وكل واحد منهم يفعل ما لا يحصى عدده من الافعال بالقلوب والألسنة وسائر الجوارح فيكون حينئذ ما لم يخلق الله من الأشياء في قولهم أكثر مما خلق، وقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥) وهذا نص في بابه، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٦).
قال زيد بن أسلم: لقد قالت القدرية قولًا ما قاله الله ولا قالته الملائكة ولا أهل
(١) سورة القمر: الآية ٤٩. (٢) سورة القمر: الآية ٥٢. (٣) سورة الفرقان: الآية ٢. (٤) سورة الرعد: الآية ١٦. (٥) سورة الحجرات: الآية ١٧. (٦) سورة الإنسان: الآية، ٣٠، سورة التكوير: الآية ٢٩.