للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال إمام الحرمين: ومما كثر تشغيبهم به أن قالوا: لو كان الإيمان تصديقًا لوجب الحكم بإيمان من يقتل نبيًا أو يستخف به أو يسجد بين يدي وثن، فإن هذه الأعمال لا تضاد المعرفة؛ فلما أجمعنا على تكفير من صدر منه هذه الأفعال دل على أنَّ الإيمان لا يرجع إلى تصديق القلب بل يكفر بارتكاب المحرمات، والجواب من وجوه:

أحدها: أن يقال: ما ذكره يضاد المعرفة الحقيقية إذ لو عرف الرب معرفة تليق به لم تصدر منه هذه الأفعال القبيحة، وأي إيمان لهذا، وأي معرفة له وهو يسجد لغير الله ويقتل رسله فمن زعم أنَّ هذا مؤمن بالله إيمانًا كاملًا ومصدقًا به، وهو يفعل ذلك فقد كابر العقل والحس.

الثاني: ان النبي جعل صلاح الأعمال الظاهرة دالة على صلاح القلب وفسادها دلالة على فساده، ففي السنن؛ أنَّ النبي رأى رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه». فالرسول استدل بالأعمال الظاهرة على الأعمال الباطنة.

وفي الصحيح؛ ان النبي قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».

قال أبو هريرة: القلب كالملك والأعضاء جنود، وإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبث جنوده.

فمن زعم أن القلب يكون مؤمنًا صالحًا، وإنَّ باقي الجسد فاسد يكون شركًا وكفرانًا فقد عارض الشريعة كما ترى.

الثالث: ان هذا القول مخالف لإجماع المسلمين، قال أبو عمرو الطلمنكي: أجمع المسلمون كلهم قبل حدوث الحرورية وحدوث المعتزلة أن أصحاب الكبائر مؤمنون بإيمانهم فاسقون بكبائرهم، ثم أحدثوا المذهبين اللذين خالفوا فيهما المسلمين أجمعين فالاعتصام بالإجماع فرض حتى يزيله إجماع مثله، وهذا لاسبيل إليه.

فصل

قال إمام الحرمين: ومما صعب موقعه على الخوارج أن يقال لهم: قد وصف الله آدم بالمعصية، فقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (١) فهل تحكمون بأنه كفر أم لا؟ فإن قضيتم بذلك، جاهرتم بالكفر الصراح وانسللتم عن ربقة الدين، وإن


(١) سورة طه: الآية ١٢١.

<<  <  ج: ص:  >  >>