للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ألف معجزة وسيأتي في ذلك ما فيه غنى وغناء إن شاء الله تعالى؛ فلنذكر الآن قطرة من هذا البحر، فمنها القرآن الذي أنزله الله عليه وتحدى به جميع الخلائق أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك وعلم أنهم لم يعارضوه. ولا أتوا به بسورة من مثله من حيث بعث وإلى اليوم الأمر على ذلك. وكان الكفار من أحرص الناس على إبطال قوله مجتهدين بكل طريق يمكن، فإذا كان قد تحداهم بالمعارضة مرة بعد مرة في مدة عشرين سنة، وهي تبطل دعوته فإن أتوا بمثله ولا يأتون علم أنهم لو كانوا قادرين عليها لفعلوها فإنه مع وجود هذا الداعي التام إذا كانت القدرة حاصلة وجب وجود المقدور؛ فهذا يوجب علمًا يقينًا لكل أحدٍ يعجز جميع أهل الأرض على أن يأتوا بمثله.

وإعجازه من وجوه متعددة وليس من وجهة واحدة؛ من جهة اللفظ، ومن جهة النظم فإنَّ نظم القرآن وأسلوبه عجيب بديع ليس من جنس الشعر ولا الرجز ولا الرسائل والخطابة، ولا نظمه يشبه نظم شيء من كلام الناس عربهم وعجمهم، ومن عارضه فما يأتي إلا بما يضحك منه؛ ومن جهة معانيه التي أقر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الغيوب؛ ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية والأقيسة العقلية.

ومن أضعف الأقوال قول من يقول: إنَّه معجز بالصدفة؛ وللرد على هذا القول مكان ليس هذا مقامه.

ومنها المعجزات المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير وحراسة السماء بالشهب الحراسة الثانية لما بعث، ولمعراجه إلى السماء؛ وهي أنواع:

الأول: ما هو في العالم العلوي كانشقاق القمر - كما ذكره الله تعالى - وصعوده إلى السماء ليلة المعراج، وهذا ما تواترت به الأحاديث، وصدق به القرآن.

الثاني: آيات الجو كاستسقائه واستصحابه وطاعة السحاب له ونزول المطر، وانتصاره بالصبا وغير ذلك.

الثالث: آيته في الحيوان من الإنس والجن والوحوش والأنعام. من ذلك ما رواه أحمد في مسنده عن يعلى بن مرّة. قال: ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله : بينما نحن نسير معه إذ مررنا ببعير؛ فلما رآه البعير جرجر ووضع جرانه بالأرض فوقف عليه النبي فقال: أين صاحب هذا البعير؟ الحديث. قال: ثم سرنا من منزلنا منزلًا، فقال النبي انطلق إلى هاتين الشجرتين، فقل لهما: إنَّ رسول الله يقول لكما: أن تجتمعا. فانطلقت فقلتُ لهما ذلك فانتزعت كل واحدة منهما من أصلها فالتقتا جميعًا فقضى رسول الله حاجته من ورائهما، ثم لما فرغ، عادت كل واحدة منهما مكانها.

وأتته امرأة بصبي لها به لمم، فقالت: يا رسول الله إنَّ ابني به لمم منذ سبع سنين

<<  <  ج: ص:  >  >>