فقال له: حسبك في هذا كفاية، ولم يسمع تتمة القصيدة استحسانًا للبيت، وظل يومه كله ينشده ويترنّم به، وأجزل جائزته، وهي كلها طنانة تلج المسامع، وتعجّ في المجامع (١).
قلت: وهذا البيت أورده أبو الصفاء الصفدي في ترجمة ابن لؤلؤ، وليس البيت له، إنما البيت للبوصيري، وهو مشيد مبناه، والأحق بسكناه.
وللبوصيري في عمارة المدرسة المذكورة قصيدة أخرى لا تقع دونها، ولا تود النجوم الزاهرة إلا أن تكونها، وأولها (٢): [من الطويل]
جوارُكَ من جور الزمانِ يُجِيرُ … وبُشْرَكَ للراجي بذاك يُشير
ومنها في وصف ذلك:
بنى ما بنى كسرى وما قلتُ: مؤمنٌ … يُباهي به فما بناه كَفُورُ
وكان (٣) له صديق من الكتاب يعرف بالأكرم الحَشَاء، [له] عبد حبشي مليح الصورة بديع المحاسن، وكان شخص يعرف بسليمان المفتش يحبّ ذلك العبد ويتعشقه ويود لو أنه بفؤاده يرشفه، فحدّره البوصيري من سليمان المذكور على عبده وقال له ما بلغه من خبر حبّه له، فقال له الأكرم إلا أنا عبدي شيطان ما أخاف عليه، فقال: [من البسيط]
كم قلت للأكرم الحشَّاءِ أنصحه … بأنَّ عبدك محتاج للقان
فقال: عبدي عفريت فقلتُ لهُ: … إِنِّي أَخافُ عليهِ مِنْ سُليمان
حكي (٤) أنه بات ليلة بالقرافة الصغرى في رفقة فيهم رجل اسمه مسافر، فدبّ ليلًا على صبي اسمه النجم، فقال: [من السريع]
مسافر سارتْ أحاديثه … ما بين كلّ العُرْبِ والعُجْمِ
سرى على النجمِ ولا غَرْوَ في … مسافر يسري على النَّجْمَ
وقوله في معنى أقترح عليه، مما قال بديهة بين الروية والارتجال: [من الرمل]
ويشكو مِنْ ذقونٍ حُلِقَتْ قلتُ: … لابد لها أنْ تُحلفا
إِنْ حَلْقَ الذَّقْنِ خيرٌ للفتى … يابني عمّيَ مِنْ أَنْ يُنتَفا
والذي حَلَّقَ أَنصاف اللحى … كانَ في الأحكام عَدْلًا مُنصِفا
حَلَّقَ النصف بذنب حاضر … وعَفَا في النصف عَمَّا سَلَفا
وقوله: [من المنسرح]
لا تَأْمَنِ الدهر في تصرُّفِهِ … الدَّهْرُ لا تنقضي عجائبه
(١) انظر: الخطط المقريزية ٤/ ٢٦٣.
(٢) من قصيدة قوامها ١٥٧ بيتًا في ديوانه ٩٦ - ١٠٦.
(٣) دوانه ٢٣٢ ٢٣٣.
(٤) دوانه ٢٣٣.