للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لا عيب فيهم سوى أَنَّ النزيل بهم … يسلو عَنِ الأهل والأوطان والحشم

يا خاتم الرسل يا مَنْ عِلْمُهُ عَلَم … والعدل والفضل والإيفاء الذمم

ومَنْ إِذا خِفْتُ في حَشْرِي فكانَ لَهُ … مَدْحِي نجوتُ فكان المدحُ مُعْتَصَمِي

فقلت: هذا قبُول جَاءَنِي سَلَفًا … ما نالَهُ أَحَدٌ قبلي مِنَ الأُمَمِ

لصدق قولك لو حَبَّ امرؤ حَجَرًا … لكان في الجسم عن مثواه لم يدم

فوقني غير مأمور وعودك لي … فليس رؤياكَ أَضغاثًا مِنْ الحُلم

فقد علمت بما في النفس مِنْ أَرَبِّ … وأَنتَ أكبرُ مِنْ ذِكْرِي له بقم

فإِنَّ مَنْ أَنْفَذَ الرحمان دعوتهُ … وأَنتَ ذاك لديه الجار لم يُضم

وقد مدحت بما تم البديعُ بِهِ … مَعْ حُسْنِ مُفْتَتَحَ مِنْهُ وَمُخْتَتَمَ

ما شب من خصلتي حرصي ومن أملي … سوى مديحك في شيبي وفي هرمي

هذي عصاي التي فيها مارب لي … وقد أهش بها طورًا على غنمي

إن ألقها تتلقف كلَّ ما صَنَعُوا … إذا أتيت بسحر من كلامهم

أَطَلْتُها ضمن تقصيري فقام بها عُذْرِي … وهيهاتَ إِنَّ العُذْرَ لَمْ يَقُمَ

فإِنْ سَعِدْتُ فمدحي فيك موجبُهُ … وإنْ شَقِيتُ فذنبي موجب القسم

عدنا إلى قوله - أعني البوصيري -:

وكان قد هجا بعض أقاربه فاقذع وضرب معهم فأوجع، ولامه أصدقاؤه وعنفوه وحذروه من نفار القلوب وخوفوه، وقال له رجل منهم: قد كان لك غير هذا مثل وجه في ذكر الغرباء على عادة الأدباء، فقال (١): [من البسيط]

وقائل كيف تهجُو كُلَّ معرفةٍ … فقلتُ: مالي إذلال على الغُربا

وكان السلطان الملك الظاهر قد أمر بكسر أوعية الخمر، وشدّد فيها، فقال: [من الوافر]

نهى السلطانُ عَنْ شُرب الحُمَيَّا … حدّها جد اليماني

فما جسرت ملوك الجِنِّ منه … لخوفِ القتل تدخل في القناني

قالوا: فبلغت الملك الظاهر، وكان يقول: لو كنت أجتمع بشاعر، لكنت أجتمع بهذا. حكى ذلك شيخنا الكندي.

ولما عمرت المدرسة المنصورية والمارستان بالقاهرة أكثر الشعراء في وصفها ومدحوا الشجاعي متولي عمارتها، فممن أنشده البوصيري قصيدة فريدة أولها: [من الكامل]

عَمَّرت مدرسة ومارستانا … لتُصَحِّحَ الأديان والأبدانا


(١) دوانه ٢٣١.

<<  <  ج: ص:  >  >>