أوجبت حقًا على قلبي محبتَّهم … وقمتُ في الحُبِّ مِنْ قلبي بما يَجِبُ
وقمتُ في الدارِ أَبكي بُعْدَ ساكنها … والرَّعدُ يَشْهَقُ والأنواء تنتحب
أبكي لذكراهم والكأس دائرة … والكأس يضحك في حافاتها الحَبَبُ
فأصرف الكأس عنِّي وهي غادية … فينا ورائحة بالراح تنسكب
إن كان يحمل كفي بعد بينِهُمُ … كأسًا فإنَّ الذي في راحتي تَعَبُ
ولم أكنْ مِنْ رضًا أخشى ولا سَخَط … لولا الحمى وظباء بالحمى عُرُبُ
فقل لمُنْكِرِ أَشجاني بحبّهمُ … أَتُنكرُ الوَجْدَ إِنِّي بالهَوَى شَجِبُ
فاعمل ركابك دع يُخفي مناسمها … فهل لشيء ذا يُذْخَرُ الحُبُّ
حتى تُراحَ بظل الدوح قائلة: … بيني وبينك يا دوحَ الحِمي نَسَبُ
ولا تهب في الدُّجى إيمَاضَ بارقَةٍ … ودونَ كُلِّ دُخان ساطع لَهَبُ
يا برقُ وأَحْكِ وَمِيضًا مِنْ ثُغُورِهم … وما عليك إذا ما فاتَكَ الشَّنَبُ
ومنهم:
[٥٥٧] مجاهد بن سليمان بن مرهف بن أبي الفتح التيمي (١) المصري الخياط، يعرف بابن أبي الربيع، ويعرف بشذا (٢)
روضه المريع، اشتغل بالأدب حتى صار أشهر صناعته، وأنفق بضاعته بلطائف إلا أنها زبر، ومحاسن تعجز السيوف منها عما تنال الإبر. كان من أعلام أدباء مصر المشاهير وأعلى ما يلقط منها من الأزاهير لو فضل بينه وبين الخياط الدمشقي لما جامعه على أول السوق، ولا كان له معه ما يفوق، ولوقف خاطره الوفي غرو أصله، وعلم أن كسب الشامي لا يفي بما ينفقه المصري من حاصله.
فمن شعره قوله (٣): [من السريع]
ثلاثة في أمر خصمينِ … العَيْنُ لكن عين العين
هما قريبان وإن فرقت … بينهما الأيام فرْقَين
(١) في الأصل: «التميمي» وما صوّبناه من النجوم الزاهرة والمنهل الصافي والدليل الشافي وغيرها.
(٢) مجاهد بن سليمان: من أدباء الديار المصرية، لكنه كان عاميًا، ثم اشتغل قليلًا وقرأ النحو وفهم، وكان له طبع جيد في النظم، ومقاصد حسنة، وغوص على المعاني، كان يسكن في القرافة وبها توفي ودفن في جمادى الآخرة سنة ٦٧٢ هـ.
ترجمته في: فوات الوفيات ٣/ ٢٣٦ رقم ٤٠٩، النجوم الزاهرة ٧/ ٢٤٢، المنهل الصافي ٩/ ١٩٩ - ٢٠٠ رقم ١٩٧٥، الدليل الشافي ٢/ ٥٧٢ - ٥٧٣.
(٣) من قطعة قوامها ٤ أبيات في المنهل الصافي ٩/ ٢٠٠، والنجوم الزاهرة ٧/ ٢٤٣.