وأمر برد النجاب فلم يلحق، فعظم هذا على الصالح، فشدّد على البهاء زهير، وقال له: من جهز هذا الكتاب؟ فقال: أنا، ثم لم يلبث أن جاءه جواب صاحب الكرك يعاتبه فيه، ويقول فيه: من أسر سريرة أظهرها على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، والمولى لا ينكر فحطه كتبه؛ وهو مسترسل مع كاتب سره ليشهد عليه فزاد أذى الملك الصالح، واشتد غضبه على البهاء زهير، وأعاد الإنكار عليه والسؤال عمن جهز الكتاب، وهو لا يزيده على أن يقول: أنا فصرفه، وأتى دمشق وأقام في داره بدرب لمد يتكفف الناس، ويستطيل الأنفاس، ولم يزل راقدًا على فرش الخمول لا تهب له ريح. ولا يطيب داء قلبه القريح، حتى أدرج ﵀ في أكفانه، وغودر في قبره والسحاب يبكي عليه دوارق أجفانه.
ويحكي أن امرأة أتته تسأله عارية شيء من قماش أهله لتلبسه بنتًا لها يتيمة ليلة عرسها فتركها، ثم دخل بيته، وأمر كل واحدة من نسائه وبناته وجواريه أن تأتيه بشيء من قماشها وحليها، ثم خرج إليها به وقيمته تزيد على ألف دينار، فلما مضت أيام العرس، عادت به إليه، فقال: يا هذه ما أعطيناك هذا على أننا نعود فيه، فانصرفت به وهي تدعو له.
وحكي أنه كان يتبرّد أوان الحرّ في دهليز دار له، فأتته جارية سوداء، فوقفت تنظر إليه، ثم انصرفت فلم يكن بأسرع من أن أقبلت ومعها امرأة حسناء كأنها دارة القمر بقد رشيق، وحسن بديع، فلما أتته قالت: أتأذن في الدخول؟ قال: أي والله على الرحب والسعة، فدخلت ثم قالت له: هل لك في؟ قال: أي والله ومن يرد مثلك؟ فلما قضى منها وطره قامت لتذهب فعرض عليها شيئًا من الذهب، فأبت وقالت: لا والله لا آخذ شيئًا، فقال لها: متى يكون اللقاء؟ فوالله قد ملكت قلبي وأخذت لبّي، فقالت: إن عاد، عُدنا، فقال لها: جعلت فداك من؟ فقالت: زوجي. اعلم أنَّ لي زوجًا تركني وقام في غفلة مني إلى جارية سوداء عندي في غاية القبح، فاليت لأكافئنه برجل أسود نظير الجارية، وأرسلت ثقتي هذه - تعني الجارية التي جاءت - تبصر لي رجلًا قبيحًا مثل تلك السوداء، فطوفت القاهرة أيامًا، فلم تجد من نسبة تلك الجارية غيرك، فأتيت إليك أكافئ زوجي، وإن عاد عدت، ثم انصرفت فلم تعد. ويقال: إن البهاء زهير كان يحكيها عن نفسه.
ومنهم:
[٥٥١] أبو الحسين الجزار (١)
شاعر لا يهتضم، وجزار لا يؤكل له لحم على وضم، لا تكل له قريحة، ولا
(١) يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد أبو الحسين الجزار، جمال الدين: شاعر مصري ظريف، ولد سنة ٦٠١ هـ/ ١٢٠٤ م، كان جزارًا بالفسطاط، وكذلك أبوه وبعض أقاربه. وأقبل على الأدب، =