[٥٥٨] نصير الحمامي (١)
وهو أديب لا يبلغ السماء إلا بمساويه، ولا يؤخذ الماء إلا من مجاريه قد عرف حَرَّ الأشياء وبادرها، وجعل جهنم حمامة جنة لا تجد من الناس إلا واردها، وامتلأ به الحوض وقال: قَطْنِي، وقال: كل مملوء الجوانح لسكره مهلًا رويدًا قد ملأت بطني، لولاه لم يكن قلب الماء يطيب، ولا سحاب العرق المكلل للوجنات يصيب، ولا صدر الحوض بمنسرح ولا بحر الخزانة المتدفق بالماء بوافر، ولا أنبوبه بمنسرح، وقد ذكرت بيتين كنت قلتهما في وصف حمام وهما: [من المتقارب]
وحمامنا كعبة للوفود … يحجُّ إليهِ حُفاةٌ عُرَاهُ
يكرّر صوتَ أنابيبه … كتاب الطهارة باب المياة
كان حجة في الأدب إلا أنها لا تحتاج إلى ثبوت، وشاعرًا ماثل العرب، وما ملت المدن له بيوت، لا يخذل نصيره، ولا يمل من مواقف الظَّفَر نصيره، لا يتكلف معه صديقه الكتمان، ولا يبالي معه إذا مشي وهو عريان، يكشف عنده الرؤوس كأنها واقفة في الاستغفار، وينزع لديه المخيط كأن بيته الكعبة ذات الأستار، ا هذا إلى محاسنه في حسن الصنيع، واعتدال الأوقات، حَمَّامُه كَأنها كلّها فصل الربيع، وأمانه لا يقال معها للداخل إليه: حفظ فما شك لا يضيع، كُلّ هذا وكان لمولاه نعم النصير، وإليه وإلا لا تنوي المسير.
وفيما وقع إليَّ من شعره الذي يشرب صهباء، ويطرب أبناء قوله: [من الطويل]
فكن عندما أَمَّلْتُ فيك فإنَّنا … جميعًا لما أَوْلَيْتَ مِنْ كَرَم أَهْلُ
ولا تعتذر بالشغْلِ عَنَّا فَإِنَّما … تُناط بك الآمال ما اتَّصلَ الشُّغْلُ
وقوله: [من الكامل]
إنِّي لأكره في الزمان ثلاثة … ما إن لها في عدها من زائد
قرب البخيل وجاهلًا متعاقدًا … لا يستحي وتودُّدًا من حاسدِ
ومن الرزية والبليةِ أَنْ تَرَى … هذي الثلاثةَ جُمعَتْ في واحد
ولما كتب إليه أبو الحسين الجزار (٢): [من المنسرح]
والعبدُ مُذْ كان في جِزَارَتِهِ … يعرفُ مِنْ أَيْنَ تؤكلُ الكَتِفُ
(١) النصير بن أحمد بن علي المناوي الحمامي: الأديب، الشاعر المشهور، توفي بالقاهرة سنة ٧١٢ هـ. ترجمته في: فوات الوفيات ٤/ ٢٠٥ رقم ٥٥١، الدرر الكامنة ٥/ ١٦٦ رقم ٤٩٤١، الدليل الشافي ٢/ ٧٦٠ رقم ٢٥٨٩، الوافي بالوفيات ٢٧/ ١٠٣ - ١٢٠، أعيان العصر ٣/ ٣٠٠.
(٢) البيتان في الوافي ٢٧/ ١٠٦.