يهب الأدباء إلا وله في تلك الشريحة ريحة، تود القوافي لو خضبت من ذبائحه الغنم، وتعد الأعادي له والجزار لا يهوله كثرة الغنم، وتتفانى قرون القرناء ولا تبلغ له مدى، ولا تذهب إلا ومناحرها منه تحت المُدَى. قال الشعر وهو صغير أول ما احتلم، وطاف بأركان بيت له واستلم، إلا أنه كان في مبدأ أمره ربما اشتبه عليه الوزن، وأثبته إلا أنه يجد أثر الوهن، فأتى به أبوه أو عمه إلى ابن أبي الأصبع، وعرض عليه شيئًا من هذا النوع مما قرضه، وهو يظن أنه قد قدم فأخر جوهره وعرضه، فقال له: احسب بالعوام الذي يخرج من بحر إلى بحر فظن بجهله أنه قد بالغ في تقريضه، وأعجب بقدرته على نظم قريضه؛ فلما علم ابن أبي الأصبع أنه لم يعلم ما أراده من خطابه، عرفه به وأعلمه إن تركه عليه عرضه لسبه، ثم دله على ما يضع، وعلمه ولم يمنع، وقال له: إذا جاءك لفظة مثل: اعلم واعرف انظر أيهما كان أشهر فقلهما ولا تقل الأخرى؛ لأنها أقرب إلى الأفهام، واجمع لرضا الخواص والعوام فحفظها الجزار في تاموره، واقتدى بها كما قال الحريري في أموره.
ثم برع أدبًا سلس القياد، غض الجنى حلو المذاق، قريب التناول، وسمعت سمعته الأقطار، ووسعت الآفاق، وبلي بجماعة من فضلاء الدهر وأدباء الزمان يهجونه ويهيجونه ويهيجهم، منهم من كان له صاحبًا، ولذيل الأنس معه ساحبًا، فيحمل هجاء كل منهما لصاحبه على أنه كان معه لاعبًا، وله به مداعبًا، ومنهم من كان بينه وبينهم ما
= وأوصله شعره إلى السلاطين والملوك، فمدحهم وعاش بما كان يتلقى من جوائزهم. وكانت بينه وبين السراج الوراق وغيره مداعبات. وكان من أصدقاء «ابن سعيد» صاحب كتاب «المغرب في حلى المغرب» فملأ ابن سعيد خمسين صفحة من كتابه بما انتقى من شعره، له «العقود الدرية في الأمراء المصرية - خ» منظومة انتهى بها إلى أيام الظاهر بيبرس، و «ديوان شعر - خ» صغير، في المكتبة الصادقية بتونس، لعله مختارات من شعره، فإن ديوانه كبير كما يقول ابن تغري بردي، و «فوائد الموائد - خ» و «الوسيلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب» ذكره بروكلمن، و «تقاطيف الجزار» شعر، وفي خزانه الأستاذ هلال ناجي مصورة «منتخب شعر الجزار» للصفدي. وصدر عن منشأة المعارف بمصر «ديوان الجزار» من جمع وتحقيق أ. د. محمد زغلول سلام [دت]. ثم درس شعره وحققه د. حسين عبد العال اللهيبي - جامعة بغداد - ط روينو ٢٠٠٧ م، توفي سنة ٦٧٩ هـ/ ١٢٨٠ م. مصادر ترجمته: المغرب في حلى المغرب القسم الخاص بمصر ١/ ٢٩٦ - ٣٤٨ وفوات الوفيات ٢/ ٣١٩ وشذرات الذهب ٥/ ٣٦٤ والنجوم الزاهرة/ ٧/ ٣٤٥ والبداية والنهاية ١٣/ ٢٩٣ والمرقصات والمطربات ٣٦٦، وفي الغدير ٥/ ٢٤٦ - ٤٣٣: «جمع له شيخنا السماوي ديوانًا يربو على ١٢٥٠ بيتًا» ورجح وفاته «سنة ٦٧٢» اعتمادًا على رواية لابن حجة وعلى البداية والنهاية، مع أن الثاني أرخه سنة ٦٧٩، ١: ٥٧٣. Brock. ١١: ٤٠٩ (٣٣٥).S وكشف الظنون ١٣٠٢ وفي جريدتي البلاغ ٥ رمضان ١٣٥٣ والأهرام ٩/١٩٣٤/٢٣ بعض أخباره، الاعلام ٨/ ١٥٣، معجم الشعراء للجبوري ٦/ ١٣٢.