مِنْ كُلِّ مُحتسب اللهِ مُنتسِبٍ … يسطو بمستأصل للكفرِ مُصْطَلِم
ومَنْ يَبع آجلًا منه بعاجلةٍ … يَبِنَّ له الغبن في بيع وفي سَلَمَ
كأنهم في ظهور الخيلِ نَبْتُ رَبِّي … مِنْ شدّةِ الحَزْمِ لا مِنْ شِدَّةِ الحُزْمِ
إِنْ آتِ ذَنْبًا فما عَهْدِي بِمُنتقَصْ … مِنَ الدنو ولا مرقى لمستنم
فإنَّ لي ذِمَّةً منه بتسميتي … محمدًا وهوَ أَوْفَى الخَلْقِ بالذّمَمَ
حاشاه أن يحرم الراجي مكارمَهُ … أَوْ يرجع الجارُ منه غير محترم
ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه … وجدتُه لخلاصي خير مُلتزم
ولن يفوت الغِنَى مِنهُ يدٌ تَرِبَتْ … إِنَّ الحَيَا يُنْبِتُ الأَزهار في الأَكُم
ولم أُرِدْ زَهْرَةَ الدنيا التي اقتطفت … يدا زُهير بما أثنى على هَرِمَ
يا أكرم الخلق مالي مَنْ أَلوذُ بِهِ … سِوَاك عند حُلُولِ الحادِثِ العَمَمَ
إن لم يكن في مَعَادِي آخذًا بيدي … فضلًا وإلا فقل: يا زلَّةَ القَدَم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي … إذا الكريم تجلى باسم مُنتَقِم
فإن من جودك الدنيا وضرَّتُها … ومِنْ علومِكَ عِلْمُ اللّوح والقَلَمَ
يا نفس لا تقنطي مِنْ زَلَّةٍ عَظُمَتْ … إِنَّ الكبائر في الغُفْرَانِ َكاللَّمَم
لعلَّ رَحْمَةَ رَبِّي حين يقسمها … تأتي على حَسَبِ العِصيان في القِسَمَ
يا رب واجعل رجائي غير منعكس … لديك واجعل حسابي غيرَ مُنْخَرِمَ
والطف بعبدك في الدارين إنّ له … صبرًا متى تَدْعُهُ الأهوال ينهزم
وائذن بسحب صلاة منك دائمة … على النبي بمنهل ومُنْسَجِم
ما رَنَّحَتْ عَذَبَاتِ البانِ رِيْحُ صَبًا … وأَطْربَ العِيسَ حادي العِيسِ بِالنَّعَمُ
قلت: هكذا يكون المديح، ولمثل هذا الشفق يموّه هذا الصفيح، الله هو لقد خلف وراءه القرائح، وخلد في عقاله الغادي والرائح، وقد أكثروا في معارضتها، ولم يستطع أحد قوة عارضتها، وأدنى من داني، وجمع إحسانًا الصفي الحلي، في قصيدة عملها في وزنها، جعل في كل بيت نوعًا من أنواع البديع، وأتى بها كنوار الربيع، وسماها «الكافية البديعة في المدائح النبوية»، إلا أنه تقلب تحت سمائها، وظفر ببقية صبابة من نعمائها، وهي هذه (١): [من البسيط]
إِنْ جِئْتَ سَلْعًا فَسَلْ عَنْ جِيرَةِ العَلَمِ … واقْرَ السلام على عُرْبِ بذي سَلَمِ
فقد ضَمِنْتُ وجود الدمعِ مِنْ عَدَم … لهم ولم أستطعْ مَعْ ذَاكَ سَحَّ دَمِي
مَنْ شَأْنُهُ حَمْلُ أَعباء الهَوى كَمَدًا … إذا هَمى شأنه بالدمع لم يلم
مَنْ لي بكلِّ غَرِيرٍ مِنْ ظِبائِهِمُ … عَزيزِ حُسْنٍ يُداوي الكَلَّمَ بالكَلِمِ
(١) القصيدة في ديوانه ٦٨٥ - ٧٠٢.