للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ففعل، فكان كما قلت. وأما البردة فلها شأن عظيم، ونفع وَحِي وجُريت في الشدائد واستنجح بها في الوسائل، ولا يحصى عدد ما كتبت بها من النسخ السائرة في الأرض، المستصحبة في كل ركب، الطائرة بين الشرق والغرب ولأهل مصر فيها اعتقاد عظيم، وظنّ جميل، وقد صحت عندهم على التجريب، وتعجل بها في كل ضائقة فرج قريب.

وحكى لي غير واحد ممن أثق به: إن رجلًا من الكتاب بمطابخ السكر السلطاني بمصر مغرى بكتابة هذه القصيدة، مغرمًا بها، ولا يزال يذكر عظيم النفع بها، وإنه ما استشفى بها إلا من شفي، واستغنى بها عن الدواء «كفي» وكان له رفيق نصراني معاند يهزأ به إذا قال مثل هذا ولا يقدر أن يتكلم ولا يجد له سبيلًا إلى القول، إلى أن حصل لابن صغير كان لذلك الرجل المسلم رمد كاد يذهب بعينه، فأتاه غلام له يحمله توصى به وهو في مكان مباشرته، والكاتب النصراني إلى جانبه؛ فلما رآه أبوه قال للغلام: اذهب به إلى الكحال، فأره له، ودعه يكحله، ويصف له ما يراه من الطعام والشراب وغير ذلك. فرأى النصراني أنه قد جاءه وقت الكلام، فانتهز الفرصة، وقال له: ما حاجة إلى الكحال، تكفيه البردة.

فغضب المسلم، وقال: نعم تكفيه البردة، خذ يا غلام هذه البردة، وأعطاه القصيدة، ثم قال ضعها على عينيه، ولا تكحله ودعه يأكل ما أراد.

فأخذه الغلام وذهب به، وكان ذلك يوم السبت فلما أصبح بكرة يوم الأحد نظر إليه أبوه، فرأى الحمرة قد تقشعت، وصفت حمرة عينيه، وسكن ما به، فحمله وأتى به النصراني في كنيسته، وقال: انظر كيف ترى نفع البردة له؟

فوجم النصراني ولم يتكلم؛ فلما كان يوم الاثنين زال ما كان بالصغير حتى كأنه لم يكن، فأتى به أبوه النصراني، فقال له: انظر كيف هو اليوم؟

فقال النصراني: لا شك بعد عيان! أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. وأسلم، وحسن إسلامه، ثم كان أشد الناس كلفًا بها.

وهي هذه (١): [من البسيط]

أَمِنْ تَذكَّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ … مَزَجْتَ دمعًا جرى من مقلةٍ بدم

أَمْ هَبَّتِ الريحُ مِنْ تلقاءِ كاظمةٍ … وأَومَضْ البرقُ في الظلماءِ مِنْ إِضم

فما لعينيك إن قلت: اكففا همتا؟ … وما لقلبك إن قلت استفق يهم؟

أَيحسبُ الصَّبُّ أَنَّ الحُبَّ مُنكَتِمُ … ما بينَ مُنْسَجِمٍ منهُ ومُضطرم


(١) من قصيدة قوامها ١٦٠ بيتًا في ديوانه ١٩٠ - ٢٠١.

<<  <  ج: ص:  >  >>