للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التي ما يلفع بمثلها رداء مادح، ولا شاد بمثل إنشادها طرب صادح، والميمية التي كل ميم فيها أشهى إلى لائمه من مقبل، وأحسن في غير ناظره من سواد عين لمن تأمل، التي أشرقت فكادت ترى وتمسك بها والميمات كالعرى إلى أنسب ميمية الفرزدق في بعض أبناء هذا الممدوح وميمية عنترة، وليس الغراب الناعق كالقمري الصدوح، ولقد عرفت بالمجربه بركتها حتى أصبحت عوذة وقدمت وسهام معارضها في القصائد منبوذة، وسآتي على بعض خبرها في موضعها.

حكى (١) لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود قال: كان البوصيري على غزارة فضله ممقوتًا لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، وذكره لهم بالسوء في مجالس الأمراء والوزراء.

قال: وكنت أشتهي أن أراه، وأتمنى قدوم مصر للقياه؛ فلما نقلت إلى مصر في الأيام الأشرفية، سألت عنه في الطريق قبل دخول البلد، فقيل لي: إنه مات. وكان قد مرض مرضة طويلة أغمى عليه فيها، فشنع عليه أنه مات وطارت هذه الشناعة واستقرت في كثير من النفوس، فأسفت على فوات لقائه، ثم لم يمض علي إلا مدة حتى طرق علي الباب فقلت: من أنت؟

فقال: البوصيري.

فشرعت أردد السؤال لأستثبته إلى أن قال: كأنه قيل لك إني مُتُّ؟

فقلت: قد قالوا هذا.

فأنشدني بديها (٢): [من الخفيف]

عاش مِنْ بعد موته البوصيري … وحياة الكلاب موت الحمير

عاش قوم مُذْ قيل: إِنِّي قَدْ مُتُ … فماتوا قبلي بوَخْزِ الصُّدُورِ

لست ممن يموتُ أَوْ … وأبكي عليهم في القبور

وصحيح بأنني كنتُ قَدْ مُتُّ … وأحياني جُود هذا الوزير

فقلت له: الحمد لله على بقائك وسلامتك، ثم أدخلته الدار فتحادثنا وشكا إليّ فاقة عظيمة وضرورة زائدة، فقلت له: أتقول: إن جود هذا الوزير أحياك، وهذه شكواك؟

فقال: أحياني بتجبره بهؤلاء الفعلة الصنعة الكتاب.

فقلت: دع هذا، وكمل علي هذه الأبيات في مدح هذا الوزير؛ لأعرضها لك عليه، فلعلها تكون سببًا لإحسانه إليك.


(١) المقفى الكبير ٥/ ٦٦٤ عن المسالك.
(٢) ديوانه ٢٣١.

<<  <  ج: ص:  >  >>