فَظَنَّ كَأسَ الهَوَى يصموا النزيف بها … إذ أوهمته الثنايا أَنَّهُ الحَجَبُ
طُوبَى لهُ لمْ يُبَدِّلْ دِينَ حبّهُمُ … بل مات وهوَ إلى الإخلاص مُنْتَسِبُ
لو لم يمت فيهم ما عاش عندَهُمُ … حياتَهُ مِنْ وفاة الحُبِّ تُكتسب
بانوا وفي الحيِّ مَيْتٌ نَاحَ بعدَهُمُ … لَهُ الحَمَامُ وسَحَتْ دمعَها السُّحُبُ
وشق غُصْنُ النَّقَا مِنْ أَجَلِهِ حَزَنا … جُيُوبَهُ وأُديرت حوله العَذَبُ
وشاهد الغَيْثُ أَنفاسًا يُصعّدُها … فعادَ مِنْ أَحشائِهِ لَهَبُ
لو أنصفوا أوقفوا حِفْظًا لمهجتِهِ … إِنَّ الوقوف على قتلى الهَوَى قُرَبُ
يا بارقَ الشَّغْرِ لو لاحتْ ثُغُورُهُمُ … وشِمْتَ بارقها ما فاتَكَ الشَّنَبُ
ويا حيًا جادَهُمْ إِنْ لم يكن كَلِفًا … ما بال عينك منها الماء ينسكب
ويا قضيبَ النَّقَا لَوْ لَمْ تَجِدْ خَبَرًا … عندَ الصَّبا منهم ما هنَّكَ الطَّرَبُ
بالله يا نسيمات الريح أَيْنَ هُمُ … وهل نأوا أَمْ دُمُوعِي دونَهُمْ حُجُبُ
بالله لما استقلُّوا عَنْ دِيارِهِمُ … أَحَبَّتِ الدارُ مِنْ شَوْقٍ أَمِ النُّجُبُ
وهلْ وَجَدْتَ فُؤادي في رحالهم … فإِنَّهُ عِندَهُمْ في بعض مَا سَلَبُوا
نأوا غضابًا وقلبي في أسارِهم … يا ليتَهُمْ غَصَبُوا رُوحي ولا غَصِبُوا
طوبى لقلب غدا في الركب عندهم … فإنَّهُ عندهم ضيف وهمْ عَرَبُ
وإِنْ رَجَعْتِ إليهم فاذكرني لهمْ … أَنِّي شَرِقتُ بدمع العين مُذْ عَرَبُوا
ثمَّ اذكري سَفْحَ دمعي في معاهدهم … لا يذكر السَّفْحَ إِلا حَنَّ مُعْتَرِبُ
عَسَاكِ أَنْ تعطفي نحوي معاطِفَهم … فالغُصْنُ بالريح ينأى ثم يقترب
وجاء أبو الصفاء الصفدي في الزمن الأخير، وقد ضاق في هذه القافية سر عن مسير فقال (١):
يا جِيرَةً مُذْ نأوا قلبي بهمْ يَجِبُ … ولوْ قَضى ما قضى بعض الذي يَجِبُ
سِرْتُمْ وقلبي أسير في حُمُولُكُمُ … فكيفَ يَرْجِعُ مُضْناكُمْ وَيَنْقَلِبُ
وأَيُّ عَيش لهُ يَصْفُو ببعدِكُمُ … والقلب مضطرمُ الأَحشاءِ مُضْطَرِبُ
أضرمتُمُ نارَ أشواقي ببينِكُمُ … فالجسمُ مُنْسَبِك والدمعُ مُنسَكِبُ
ناحتْ عليَّ حمامات اللوى وَرَثَتْ … ولورَثَتْ ما في فِعْلها عَجَبُ
يُملي عليَّ مِنَ الأوراق ما صَنَعَتْ … سَجْعًا فتهتزُّ مِنْ أَلحانها القُضُبُ
والغيث لما رأى ما قد مُنِيتُ بِهِ … فكُلُّهُ مُقَلَّ بالدمع ينسكب
بالله يا صاح روحني بذكرِهُمُ … وَزِدْ عَسَى أَنْ يَجفَّ الوَجْدُ والوَصَبُ
ويا رسولي إليهم صف لهمْ أَرَقي … وَأَنَّ طَرْفِيْ لضيفِ الطَّيْفِ مُرْتَقِبُ
واسأل مواهبهم للعين بعضَ كَرَى … عَسَايَ أَنْ يَهَبُوا لي بعض ما نَهَبُوا
(١) الوافي ٤/ ٥٩ - ٦١.