للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكيف لا وهي تُنسى بينَنا نَسَبًا … إِنَّ المودَّةَ في أَهْلِ النُّهى نَسَبُ

لا زلت في نعمة غَرّاءَ سابغة … تستوجب الفوز في الأخرى وتعتقبُ

ثم ولع أهل الأدب بسلوك هذه الجادة فجهد كلّ في المعارضة، وجاء على قدر ما سمحت به العارضة، فقال العفيف التلمساني (١): [من البسيط]

أينكر الوجد أنّي في الهَوَى شَجِبُ … ودونَ كُلِّ دخان ساطع لَهَبُ

وما سلوتُ كما طنَّ الوُشاة ولا … أَسْلُو كما يَتَرَجَّى والهُ التَّعِبُ

فإن بكى لصباباتي عَذُولُ هَوًى … فلي بما منه يبكي عاذلي طرب

ناشدتك الله يا روحي أذهبي كَلَفًا … بحب قوم عَنِ الجَرْعَاءِ قَدْ ذَهَبُوا

لا تسأليهم ذمامًا في محبَّتِهِمْ … فطالما قَدْ وَفي بالذِّمَّةِ العَرَبُ

هُمْ أَهْلُ وُدّي وهذا واجب لهم … وإنّما ودُّهُمْ لي فهوَ لا يَجِبُ

هم ألبسوني سقامًا مِنْ جُفُونِهِمُ … أصبحتُ أَرفل فيه وهو ينسحب

وصيرت أدمعي حُمْرًا خُدُودُهُمُ … فكيفَ أجْحَدُ ما مَنُّوا وما وَهَبُوا

هَلِ السلامة إلا أَنْ أَمُوتَ بهم … وجدًا وإلا بقيايَ هُوَ العَطَبُ

إن يسلبوا البعض مني والجميع لهم … فإنَّ أشرف جُزْئي الذي سَلَبُوا

لو تعلم العذبات المائسات بمن … قد بان عنها إذا ما اخضرتِ العَذَبُ

ولو درَى مَنْهَلُ الوادي الذي وَرَدُوا … مَنْ وارد ماءه لاهتزَّهُ الطَّرَبُ

إني لأكظم أنفاسي إذا ذُكِرُوا … كيلا يُحَرِّقُهُمْ مِنْ زَفْرَتِي اللَّهَبُ

وترسل الدمع عيني في منازلهم … كيلا تسابقها في سحها السُّحُبُ

كذا لكلِّ مُحَبِّ عِبْرَةٌ لهم … وعندَ كُلِّ غيور فِطْنَةٌ عَجَبُ

أسائِلُ البان عن ميل النسيم بهم … سواك مَنْ ليس يدري فيه ما السَّبَبُ

وتلك آثارُ لِيْن في قُدُودِهُمُ … مرَّتْ بها الريح فاهتزت لها القُضُبُ

يصحو السكارى ولا أَصْحُو ظمًا بكم … ويسكر السكر من بعض الذي شَرِبُوا

وقال العفيف أيضًا (٢): [من البسيط]

لولا الحمى وظباء بالحمى عرب … ما كان في الباري النَّجْدِي لِي أَرَبُ

حلَّتْ عُقُودَ اصطباري دونَهُ حُلَلٌ … خفوقها كارتياحي لها يجب

وفي رياض بيوت الحي مِنْ إِضَم … وَرْدٌ جَنِيٌّ ومِنْ أَكمامه النُّقُبُ

يسقي الأقاحِيَّ منها فَرْقَفٌ فإذا … لاحَ الحَبَابُ عليها قاسها الشُّهُبُ

يُقضى بها لعيون الناظرين على … كُلِّ القلوبِ قضاء مالهُ سَبَبُ


(١) منها ١٦ بيتًا في الوافي بالوفيات ٤/ ٥٧ - ٥٨. ومنها ١٧ بيتًا في ديوانه ١/ ١٠٧ - ١١٠.
(٢) الوافي بالوفيات ٤/ ٥٦ - ٥٧، دوانه ١/ ١١٣ - ١١٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>