للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يزاحم شرف عمله الكواكب بالمناكب، ولا تذعن إلا لمن امتطى أعوادها أطال في المعنى وأطاب، وإذا قال أما بعد لم تختلف الآراء في أنّه دلّ على الحكمة بفصل الخطاب، وإذا ذكر بأمر الله أَصْحَبَ كلَّ قلب جامح، وغض كل طرف طامح، ورد كل عبد عن طاعة ربّه نازح، وأصغى من صغى منه إلى قول مشفق في الله صالح، وخرجت الموعظة منه على لسان صادق، فلم تعد حبات القلوب، وتتبع كلامه أدواء الضمائر فشفاها، ولا داء أوجع من الذنوب، ووثقت النفوس في أنه قول إمام عصره فتلقته بالتسليم، وجلست العلماء تحته للاقتداء بفوائده، فكان على الحقيقة فوق كلّ ذي علم عليم، وأحق المنابر بارتياد مَنْ يصلح لاقتصاد غاربها، وأولاها بالصدود عمن برّز في صورة خاطبها، ما كان من أعظمها رفعة، وأكرمها بقعة، وافخمها جماعة وجمعة، وأقدمها شهوة في الآفاق وسمعه، وأعجبها بناء وأبناء، وأحملها عن أئمة الأمة أثقالًا وأعباء، وأكثرها زَجَلًا بالتلاوةِ والأذكار، وأعمها بالقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار، ولما كان المسجد الجامع بدمشق المحروسة، هو الذي زاحم الأرض المقدسة بمنكبيه، فلو كان للمساجد الثلاثة رابع لشدّت إليه الرحال، وتحقق بالرفعة التي تُسامى أن نور المشكاة تشرق من أرجائه ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ (١) تعين أن يختار لها من رجل المنابر، وبطل المحابر، وهو فلان الذي شفت مواعظه القلوب وأثمرت بالتقى، واستلت سخائم الصدور، واستقرت من المصلّى على النقا ورسم بالأمر الشريف أن يفوض إليه الإمامة بالمسجد الجامع بدمشق المحروسة، والخطابة بمنبره الكريم، عملًا بالأولى في التقديم، واحتياطًا للإمامة التي هي أثبت دعائم الدين القويم، فَلْيَحِلّ هذه الرتبة التي لم تقرّب لغيره جيادها، ولتُحل هذه العقيلة التي لا تُزان بسوى العلم والعمل أجيادها، ويَرْق هذه الهضبة التي يطول إلا على مثله صعودها، ويلق تلك العصبة التي تجتمع للاقتداء به حشودها، ويعلم أنه في موقف الابلاغ عن الله تعالى لعبادِهِ، والإنذار بما وَرَدَ عن الله ورسوله على مراد الله ورسوله لا مرادِهِ، وتحت منبره من الأعيان من أن تلق غيره القول بتقليده، تلقاه بانتقائه وانتقاده، فيعتصم بالله في قوله وفعله، ويتيقن أن الكلمة إذا خرجت من القلب لا تقع إلا في مثلِهِ، وليجعل خطبة كل وقت مناسبة لأحوال مستمعيها، متناسبة في وضوح المقاصد بين إدارك من يعي غوامض الكلام ومَنْ لا يعيها، وليوشّح خطبته


(١) سورة النور: ٣٦ - ٣٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>