وما كلُّ يومٍ لي بأرْضِكَ حاجةٌ … ولا كلُّ يومٍ لي إليك رسول (١).
ومنهم:
[٦] أبو نصر العتبي (٢)
وهو من أصحاب الغوص البعيد والمعاني البديعة واللفظ السهل، والخاطر الوقاد والفكر الجوّال. والصوغ اللائق. والوِرْد السائغ، لا يُماثل بإنسان، ولا يُشاكل في خراسان دون كَلِمِهِ سحر بابل ونشر كابل، لو شاء أوهم الغواني في عقودها، والأغصان في برودها، وكان حفظه مع سعة مخيلته، وصفاء مصورته وممثلته، وحفظه أحوى من بقاع الرمل. وأحلى من اجتماع الشمل.
وفهمه أدق من مدارج النمل تمثيلًا. وأرقٌ من طبع صافي الماء تخييلًا، كلمات محكمةً بقوّة الأسباب. محكمة كنشوة الراح للألباب. فاهًا له من خبر طواه أمْسُهُ. ومن بحر حوله رمسه، ومن حرّ أضاء ليوم، فاطلَعَ حتى غابت شمسه، وله كتاب «اليميني» في تاريخ السلطان محمود بن سبكتكين، كأنه روضة غناء. وعقد منظوم. وأفق مكوكب، بديع الجملة حسن المسموع.
ومن نثره قوله:[في] قرين نصل أهداه (٣):
خير ما تقرب به الأصاغر إلى الأكابر ما وافق شكل الحال، وقام مقام المقال. وقد بعثت بنضل هندي، إن لم يكن له في قيم الأشياء خطر، فله في قمم الأعداء أثر. والنصل والنصر أخوان والاقبال والقبول قرينان والشيخ أجل من أن يرى إبطال حلية الأبطال، ويرد إقبال مستجلب الاقبال.
ومنه قوله من كتاب كتبه عن السلطان محمود:
(١) البيت ليزيد بن الطثرية: ديوانه ص ٩٨. (٢) محمد بن عبد الجبار، أبو نصر العتبي نسبة إلى عتبة بن غزوان المازني، الصحابي الجليل. ولد بالري، وغادرها شابًا إلى خراسان، فنشأ بها وولي نيابتها، ثم استوطن نيسابور. وانتهت إليه رئاسة الإنشاء في خراسان والعراق، وناب عن شمس المعالي قابوس بن وشمكير في خراسان إلى أن توفي سنة ٤١٣ هـ/ ١٠٣٦ م. وكان أديبًا شاعرًا، كاتبًا مترسلًا، مؤرخًا. صنف كتبًا منها لطائف الكتاب في الأدب. و «اليميني» نسبة إلى السلطان يمين الدولة محمود بن سبكتكين. شرحه المنيني في مجلدين، وطبع باسم تاريخ العتبي. ترجمته في: يتيمة الدهر/ ٣٩٧، الوافي بالوفيات/ ٢١٥، والإعلام ٦/ ١٨٥. (٣) يتيمة الدهر ٤/ ٣٩٧.