للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[[القسم الثاني]]

وأما القسم الثاني من أصحاب الغوص، فسنذكرهم على أن حكم أكثر الكتاب القدماء حكم العرب. كلاهما له فضيلة السبق، وفتح الطريق، وحكم المتأخرين منهم حكم المولدين من الشعراء في توليد المعاني باللطائف، وقد وشحوا صناعتهم بالاستعارات الصحيحة والتشبيه والاستخدام والتورية وأنواع البديع. وتناهوا في التدقيق والتنميق، وتباهوا في التخيّل والتخيير، وقيدوها بالاسجاع. ولزموها كالقوافي، فلم يعوزها من الشعر إلا الوزن، فأخملوا الأوائل، وأخمدوا كل قائل، وأتموا الفن وكملوه، وزينوا الفضل وجمّلوه، وهذا مكان للمغرب فيه مع المشرق مجال، وميدان له في فرسانه رجال. وهو في هذا غير ممنوع ولا مدفوع، لكنه فيما تقدم المائة الرابعة لا يذكر له في هذه الفينة فئة ولا تظهر له هيأة، ثم ما عدم في هذا الشأن ما أوْهَنَ زجاج حاسده، واشرق بغصص الدمع شأن معانده. ولا نقول هذا على أن للغرب بهذا المزيّة على الشرق، ولا انه سلم إليه في هذا الحق، وإنما نحن بصدد إنصاف وما نبعد في ما بين الغرب والشرق في هذه الفضيلة، ولا نجحد ان له بمن نعده هنا وسيلة، وإلا فالمشرق من كتابه المتأخرين من اقتطف الزهر والزهر، وجرّ ردنه على المجرة والنهر، وأتى بما هو أضْوَع من العبير، وأضوء من جبهة القمر المنير، وردوا غُدر البلاغة فشربوا زرق نطافها. وساموا رياض البراعة وشرعوا في قطافها، فولدوا المعاني واخترعوها وابتدؤا حسن الطرق وابتدعوها، وفَتَنَ الألباب كلامهم الدر، ولفظُهُمُ الرقيق الحرّ، وأدعى قول نقوله للحق: إن من لدن المائة الرابعة وهلم جرا، أهل المغرب في هذه الصناعة أكثر رجالًا، وأهل المشرق أبرع رَجُلًا، وإنما أردنا بتقديم مَنْ قدمنا ذكره من الوزراء والكتاب، وإن لم يكن ما يؤثر عنهم مما يناسب دره كله نظم هذا السحاب، لاثبات الفضل للشرق على الغرب في تلك المدد الطوال والسنين الخوال. فإن الشرق كان معهدًا بمثل هؤلاء والغرب قفر يباب.

أكتب من فيه نقول له: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ (١)، على أن هؤلاء


(١) سورة الشورى: ٥٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>