[[١٧] محمد بن نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، أبو عبد الله]
فطرة ذكاء غذي بلبانها، وغدا في ورق الشباب يهتز اهتزاز قضبان بانها، طلب العلياء والشبيبة ممدودة الطراف، والحبيبة غضة الأطراف، وكان دابه في أدب يؤشيه لطرب ينشيه بفكر ينديه، لبكر يهديه فاهداها خفرات، وأبداها مسفرات، من غرر وسام، ودرر لا تُسام، نَثَرها نثر الجمان، ونظمها قلائد في جيد الزمان، فقدحت الأنوار، وفتحت بين نرجس المجرّة أعين النوَّار، فطالت بها الأيام بكر وأصائل، وطالت بسحبها الأيام غدر وخمائل وكإن مخالفًا لمذهب أبيه في التيه الذي مُقِتَ لأجله، ووقت ميقات الحب لنجله ذكره ابو العباس ابن العطار وقال: ولد بالموصل في رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وتوفي يوم الاثنين جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وله كتاب «غرّة الصباح في أوصاف الاصطباح» وكتاب «الانوار في نعت الفواكه والثمار»(١) وله نثر رائق ونظم فائق.
ومن نثره قوله:
بين المشوق وبين الحمام مناسبة في شجو تعبيره لا في شجو ضميره، فهو يعلن نحيبه تألّمًا، وهي تعلن بعتابها ترنّما، وفرق بين الأشجان الملهبة الأضالع والألحان المطربة للمسامع. وقد زعم قوم أنها تذكر عهدًا وتجدّد وجدًا، وهذا شأن من كانت عهوده منسية الايام، ومن لم يكن له من وجدِهِ حمامة لم يهتج لتغريد الحمام، ولست براض أن أرعى للاخوان عهدًا يفتقر الى تذكار، وأضمن لهم وجدًا يحتاج الى تجديد آثار، وأشواقي إليهم على النوى بين الاشواق التي تذهب بِجَلَدِ الجلد، وتوري زناد الصبابة تحت الحشى الصلد، وإذا صافحت برد الموارد وَجَدَتْ حر الغليل في ذلك البرد، وإن زاد غيرها بحديث سعد، وكذلك هي في إرتياحها إليه والتياحها عليه.
ومنه قوله يصف سحابة:
خفقت بها بنود الرعود واطردت فيها خيول السيول، فالسحاب بها بين سائر ونازل، وواضع وحامل.
(١) ذكره الغزولي باسم «نزهة الابصار في نعت الفواكه والثمار».