للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أرقتُ فجَفْني ما يريق سوى دمي … كأنَّ الهوى أوصى جفوني بنزفه

ومنهم:

[١١] نصر الله بن محمد بن محمد، ضياء الدين، ابو الفتح ابن الأثير الجزري (١)، الكاتب

متكبّر نَفَخَ في غير ضَرَم، وبذخ بالسمن وشحمه وَرِم، ولم يلتفت الدهر إليه بعطفه، ولا أقبل عليه ببعض عطفِهِ، حتى شمخ شمما، ونطق خرسًا، وأصغى صممًا، وكانت له مخيلة ظهرت بارقتها، وبهرت سارقتُها، شرب بودقها الهيام، وضرب ببرقها الغمام الخيام، وقد كان بالموصل، ونشأ به مسود اللمم، محتد اللمم، في درس يباكره ويغاديه، ويسقيه ماطره بروائحه وغواديه، فملأ الحفظ خاطره حتى اندفق، وكلا الحظ سائره حتى توقد الشفق، فغالب الاسود، وقارب ان يسود، لولا عجب رداه، وردّ وجهه عن الطريق فما أدّاه، فوقع إذ سف، وتكدّر إذ شف، واتصل بالخدمة الأفضلية فغمط به فضلها، وقبض بِسَببه ظلها فلم يحمد أحد له ولا لسلطانه فعلًا، ولا عدَّ له ولا للأفضل فضلا، وجَلَسَ للناس وقد لبس رداء الكبرياء، وسَلَبَ بحمقِهِ، وقاد الكبراء، فأحرج الصدور عليه وعلى ملكه، وأحوج المقدور بما لديه إلى مهلكه، فَتَميّزت الخواطر عليه غيظًا، وأبرزت الضمائر له برد القلوب قيظًا، فأودع النفوس ودائع الحنق، وأنزع له الدهر العبوس مشارع الرنق، وخرج من دمشق في صناديق المطبخ مختبئًا حين أخرج الأفضل منها، وكان ينتقص الفاضل والعماد وسائر الكتاب، ويحطّ قدر الأفاضل، ويسخر بالناس، ويتوقف في قضاء الحوائج، ويحمل ملكه على جفاء أهله، وقطع ذرى رحمه، ويبعد بينه وبين أقاربه، فلهذا مقت، وغض طرفه، وبهت، وفيه يقول الشهاب فتيان (٢): [من مجزوء الرجز]

متى أرى وزيرَكُمْ … ومالهُ مِنْ وَزَرِ

يقلَعَهُ اللهُ فذا … أوان قلع الجزري

وفيه يقول ابن عنين: [من الوافر]


(١) انظر ترجمته في: التكملة: ٣/ ٥٣٥ وذيل مرآة الزمان ١/ ٦٥ ووفيات الاعيان ٥/ ٣٨٩ وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ٧٢ والوافي بالوفيات / ٧/ ٣٤ والعبر ٥/ ١٥٦ وشذرات الذهب ٧/ ٣٢٨.
(٢) فتيان الشاغوري والبيتان في ديوانه ص ٢٠٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>