فنصبنا عليها من المجانيق كل صائب سهمه، ثاقب نجمه، محرق لشياطين الكفر رَجْمُهُ، يهد ويهدم، ويردي ويردم، ويوهي ويوهن، ويُسرّ باردائه ويعلن لم تنصب عوامله على سور متصل إلا هدمته، ولا مُدَّت أسبابه على مبنى رفع واستغلق بابه إلا كَسَرَتْهُ، ولم يزل يرمي غاديتها بالقارعة، ويصمي اسماعها بأحجاره الطائرة الواقعة، وأقبلنا بالمجاهدين إليها، فأحاطوا بها إحاطة الخاتم بخنصره، والسور بمعصمه، وأمطرنا عليها بسحب القسي وبلا غرقتهم بدافق أسهمه، فتجلد أعداء الله، وجلدوا، وتعاقدوا على الموت وتعاهدوا، وأرسلوا من جروفهم سهامًا، لا يردها راد عن الأجسام، ولا يكسر عينها ما تصم الأعضاء من تظاهر الآلام، وإذا شوهدت راعت الناظر فلم يدر أعَمَدٌ هي أم سهام وشفعوها بضم أحجار صمت، لها أسماع الدرق، وكسرت بها رؤوس البيض، وفقست أعين الحلق وصبر أولياء الله، ولم يزالوا حتى ألحقوا النقابين بجدارها، وبوأوا المقاعد تحت أسوارها، ولم يكن بأسرع من ان شقت النقابون نقاب اسوارها، وأضرموا نارًا طاف بأهل السعير سعيرها، ونطقت عما أكنّه ضميرها فانحلّ من عقود بنائها ما كان متسق النظام، ونبذ من شمل بروجها ما كان حسن الألتيام، وكانت لا تلوي جيدها صَعَرًا، فألصق خدها وهي راغمة بالرغام.
ومنهم:
[٢٠] تاج الدين، أبو جعفر، أحمد بن سعيد (١).
رأس المعالي وتاجها، ولقاح المعاني ونتاجها، كان معدن الجلالة، وموطن الرقة والجزالة، ولم يَزَلْ بدر الفضائل وكمالها، وصدر المحافل وجمالها، ونفس المآثر وعنصرها، وخاتم المفاخر وخنصرها، صحب الأيام مسالمًا، وقاسم الليالي على النجوم الزهر مُساهمًا، واكتنف البلاغة فقلّدته تقليد العموم، وقدمته تقديم الإمام على المأموم، وخدم الدول فأولته انعامًا، وخولته مواهب طالما أخدمته الزمان عاما، وكان نداه موارد ملكها، ونهاه عطارد فلكها، فَأَرَتْهُ وجوها وسامًا، وأرضته مصرًا وشامًا، فأهدى من فرائده ما (٢) ابن العزيز فاستخدم في ديوان الانشاء،
(١) انظر ترجمته في: الوافي بالوفيات ٦/ ٣٩٢، والنجوم الزاهرة ٨/ ٧٤، والمنهل الصافي ١/ ٣٠٠، وبيت ابن الاثير الحلبيين غير بيت ابن الاثير الموصليين. (٢) كذا في الاصل، ولعل كلمة سقطت فابهمت المعنى.