للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وائل دولة الظاهر بيبرس، وكتب بها، ثم طلب الى مصر واستكتب، واستعتب لحظه الناقص، فاعتب، وله الآن يقتني بقية العبق في المشام، والشهب في آخر الظلام.

ومن نثره قوله:

ولم يكن إلا كلمح البارق الخاطف، أو شرب الطائر الخائف، حتى علونا جدارها وتسوّرنا أسوارها، وهذه قيسارية (١) كان ريد إفرنس (٢) قد أحكم عمرانها، فألحق بالسماء أرضها، وأبرم أسباب تحصينها إبراما منعه نقضها، وجعلناها امام ما نقصده من الثغور الساحلية، لتعلم الفرنج ان قصدنا لحصونهم امام ما نقصده من الثغور الساحلية شامل، وعزمنا إليهم في كل جهة واصل، واننا لابد أن نُغْرِق ببحر عساكرنا ما بأيديهم من الساحل، لتتفرق عزائمهم فلا ينصب الى جملة واحدة، وتذهل خواطرهم، فتتوهم كل فرقة من الجيوش إليها قاصدة.

ومنه قوله:

وكنا لما شَمَخَتْ بأنفها إباءً، ورفعت رأسها منعةً واستعصاء، وكلنا باستلانة جانبها، ورياضة مصاعبها، كل طويل الباع رحب الذراع، مضطلع بأمر الحصر أي اضطلاع، فقذفها بشهب نجومه، وواصلها بتوالي رجومه، حتى عرف منها موقعه، واستبان من أبراحها موضعه، وألان من شامخها جامحه وممتنعه، فلم يزل يقبل ثغرها حتى أثغر، ويصادم ركبها حتى خرّ، وجاء ما لاصقه على الأكثر، وفي ضمن محاذاتها بالمجانيق، تخللنا حولها الأرض طرقًا وأسرابا، وصيرناها الى الخنادق أنفاقًا وأبوابا، وصبر جنود الله حتى وصلوا بالحجارة الى جدارها، فجاذبوا أذيال بنائها الشامخ، وحلّوا عقد أساسها الراسخ، فتعلّقوا بأبراجهم تعلق قرار لا لانتصار، ولاذوا بمعاقلهم لياذ رُعب لا توهم اقتدار، وأذعنوا بلسان الاستعطاف، فأجبناهم على ان يبقوا تحت أيدينا أسارى، وأغمدنا عنهم السيوف إلا من سبق في قتله السيف العذل، وأتاه الموت قبل تحقيق الأمان على عجل، وقد فتح الله على المسلمين حصنًا كان عليهم وبالًا، وحلّ عنهم من معقله عقالًا، وخفّف عن أعناق محاذيه من سوء جيرته أعباء ثقالًا، ثم أمرنا بهدمها حتى عاد ما كان يرى منها شاهقًا للعيان لا يكاد يُدرك باللمس، وأصبحت خاويةً على عروشها كأن لم تَغْنَ بالأمس.

ومنه قوله:


(١) قيسارية: مدينة على ساحل بحر الشام، من اعمال فلسطين (معجم البلدان - قيسارية)
(٢) ريد إفرنس، ويسمى: الفرنسيس؛ ملك فرنسة (صبح الاعشى ٥/ ٤١٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>