للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهي شمس لكن بغير مغيب … ولهيب لكن بغير انطفاء

ومنهم:

[١٨] ابن قرناص (١)، محيي الدين

وهو من أهل حماة، ووقفت له على بديع رقم بغرائب النواة، بيانا كالجوهر المعدود، وإحسانًا كل سمع به معقود، كأنه شخص الحبيب بدا لعين محبّه، أو طيف الخيال وأدنى في قربه، وسمعت كَلِمًا كلّما قرأتها استجدتها، وفقرًا لقرى المسامع مهما قدمت لك استردتها،

فمن نثره قوله:

وسار في فرسان كالأسود، إلا أن براثنها سلاح، وجنود كالطيور إلا أنها تسبق الرياح، حتى أتى فلانة، ورتب عليها نوب اليزك (٢)، للمخايلة لا للمخاتلة، وانتظر ان يخرج إليه صاحبها متضرّعًا، أو يقصد إليه متخضعًا؛ لأنه إنما قصده غضبًا لله، لما انتهكه من محارمه، وأقامه لما رأى العدل الذي شرع في هدم معالمه، وشفقةً على خلق الله الذين بسط عليهم منذ وليهم أيدي مظالمه، فلما أبي إلا الطغيان والتمادي في مهالك العصيان، واغتر بأصحابه الذين هم معه بأجسامهم وعليه بقلوبهم، ووثق برعاياه الذين كانوا أو وقعوا معه بذنوبهم، فلصق الجيش المنصور بالسور المقهور، فدنا وتدلّى، ورأى الخصم عين القصم، فعبس وتولّى، فكشفت الستور، وهتكت حجابه، وتبرّج كل برج فحسر الزراقون لثامه، وأماط النقابون نقابه، وطَلَعَتْ على الأسوار المنيفة من الأعلام الشريفة، كل راية صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين، وأيّد الله الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين.

ومنه قوله:

فَلَمْ تَرَ إلا شجرة قائمة على أصولها، وكرومًا خاوية العروش، وسقيط البلح المبثوث، وجبالًا كالعهن المنفوش.


(١) ابراهيم بن محمد بن هبة الله بن قُرناص، الخزاعي، الحموي، محيي الدين، الاديب، الشاعر، المتوفى سنة ٦٧١ هـ.
ترجمته في: الوافي بالوفيات ٦/ ١٣٣، المنهل الصافي ٦/ ١٢٢، والنجوم الزاهرة ٧/ ٢٣٨، هدية العارفين ١/ ١٢، الاعلام ١/ ٦٣.
(٢) اليزك: طلائع الجيش.

<<  <  ج: ص:  >  >>