هذه مصيبة سَفَحَتْ الدموع غروبًا. ونثرت قنا الأصلاب إنبوبًا فإنبوبًا. ونعى بها فتى الجود ومص بعده الثرى بقية الماء من العود.
ومنه قوله:
ولم تكن إلا صدمة واحدة حتى زلّت الأقدام عن مقارها، وتهاوت الرقاب عن مزارها، وجعلت تتساقط أشخاص الألوية والمطار، وترد النفوس عن ضرب السيوف البوارد، وكرت عنها للسلطان فيول كرُعْن الجبال، أو كرُكن السحب الثقال، مغشّاة بتجافيف لم يُغوّر فيها غير حدق النواظر، وحدائد الأنياب الفواقر. يهوّل سائسها عليها بمرهفات كالبروق الخواطف، وصفارات كالرعود القواصف. وقد نُشرت عليها التماثيل في العيان المشهود. كأنها الأساود السود تخيل اضطراب الرياح فيها أنها تزحف للألهام، أو تنقض لاختطاف الهام، وتعالت عليها أطراف العوامل في مبانٍ كالمعاقل كأنها أجام السواحل، تؤويها شياطين الإنس فرسانًا، وعفاريت الترك والند مردًا وشبّانًا، تبص عليهم سابغات داود كصفائح الماء، تجلوها الشمس في وسط السماء، فحث العدو الخيل، تحت الليل حثًا كاد لا تتنفس الأرض معه بمواطئ أقدامها، ولا تشعر النجوم بأشخاص ألويتها وأعلامها، ودنا الفريقان بعضهم من بعض، وظلت رحى الحرب تعركهم بثفالها وتدور عليهم بأثقالها، وحمل سيف الدولة بنفسه، فتداعت الزحوف، وتخالطت السيوف وخطبت على منابر الرقاب السيوف، وثارت عجاجة أَخَذَتْ العيون عن الأشباح، وأذهلت النفوس عن الأرواح، ونثرت الأعناق ثم نظمتها في سلوك الرماح، وطفقت الخيل تردى بجثث النفوس. وتلعت بأكر الرؤوس، وأما البقية فانهم ولوا ما ألووا. وقد دبّ الفشل في تضاعيف أحشائهم، وسرى الوَهَلُ في تفاريق أعضائهم، واستطار الخوف في مزاج دمائهم، فجيوب الأقطار عليهم مزرورة، وذيول الخذلان عليهم مجرورة.
ومنهم:
[٧] الحسين (١) بن علي بن محمد بن عبد الصمد، أبو اسماعيل مؤيد الدين، فخر الكتاب الأصبهاني، المنشئ المعروف بالطغرائي