للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفضل، الظاهر المحاسن، الدقيق المعاني، الرشيق المباني، المشهور شهرة الشمس، الواضح وضوح البدر، كاثر ببدائعه النجوم الثواقب، وبنتائج قرائحه سُجُوم السحائب، فجاءت عربًا أبكارًا وشهبًا لا تلج أفكارًا، وولع بصنعة الكيماء. فشب لهبًا. وصبَّ أدبًا لا ذهبًا. وأذهب زمانًا بها في العناء، وطلب الغني من غير الغناء، فلم يجد بغيته، ولم يزد على أن صفّر وجهه وبيض لحيته، فرد خائبًا، واشتعل رأسه شائبًا، وطالما شمَّر طلب الصنعة دروعَهُ، وصعّد أنفاسه وقطر دموعه، وكان من فيض السلطان في غير البشير، وفي حبر من الأكسير، إلا أنه تعلق بعلم أحابر، وعلق حكم الصنعة عن أكابر. وشدّ الأوصال، وامتد لأن تسمح له بالوصال. فكان لو شعر به ابن أميل (١) لمال إليه كل الميل أو شبه به ابن يزيد (٢) لما كان عليه مزيد.

ومع طول معاناته، وبعده تارةً ومداناته. لم يحصل على غير ارتقابها، ولا ظفر من ليلى بحط نقابها، فَكَمْ ضَبّع حاصلًا، وكدّ ولم يكن واصلًا. وشعره أسير من نثره، وأيسر في حجم قدره؛ لأنه إنما عانى النثر في آخر عمره. وقد قارب أجله الانتهاء وقارب الرحيل. وَدَنَتْ شمسُهُ من الأفول، وهو صاحب لامية العجم التي فصلت عرى لامية العرب، وحلت لامها، ونكبت من شفار الشنفرى سهامها. فلقد قوت الشعوبية، واحتمت لعصابتهم حمية العصبية. وأخَذَتْ قَسْرًا شجر البيان، وحكمة ألسنة العرب وأدمغة اليونان، وكادت تبتز من دولة العرب مدينة السلام. ولا تبقى لهم إلا عائدة السلام. وعنوان قوله منها (٣): [من البسيط]

أريد بسطة كف استعين بها … على قضاء حقوق للعلا قبلي

والدهر يعكس آمالي ويقنعني … من الغنيمة بعد الكد بالقَفَل

إن العلا حدثتني وهي صادقةٌ … في ما تحدث أنّ العز في النقل

لو أنَّ في شرف المأوى بلوغ مُنّى … لم تبلغ (٤) الشمس يومًا دارةَ الحَمَل

تَقَدَّمَتْني رجال كانَ شَوطُهُمُ … وراءَ وطئيَ إِذْ أَمشي على مَهَلِ (٥)


= وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٥٤ والعبر ٤/ ٣٢ و الوافي بالوفيات ١٢/ ٤٣١ والنجوم الزاهرة ٥/ ١٢٠ وتاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمان ٥/ ٥ وشذرات الذهب ٦/ ٦٨. ونشر شعره ببغداد الدكتور علي جواد الطاهر والدكتور يحيى الجبوري.
(١) محمد بن أميل بن عبد الله بن أميل التميمي نبغ في النصف الثاني من القرن الرابع، وترك مصنفات في الكيمياء، يوجد بعضها مخطوطًا. انظر: تاريخ الأدب العربي بروكلمان ٤/ ٣١٧.
(٢) هو خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان أبو هاشم القرشي الأموي، وكان له كلام في صناعة الكيمياء والطب. وكان إلى ذلك أديبًا شاعرًا عاقلًا ذا لسان وعارضة توفي في حدود سنة ٩٠ هـ. انظر: الوافي بالوفيات ١٣/ ٢٧٠ والبداية والنهاية ٨/ ٢٣٦ والعبر ١/ ١٠٥ وسير أعلام النبلاء ٩/ ٤١١.
(٣) ديوانه ص ٣٠٢.
(٤) في الديوان لم تبرح.
(٥) رواية البيت في الديوان: تقدمني أناس .. وراء خطوي.

<<  <  ج: ص:  >  >>