للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واستكتب واستعتب له الحظ لو يعتب، ثم نقل الى الباب الظاهري، فكان هناك أحد المتخذين الأعيان، والمتحدثين بسحر البيان، وولي في الايام الاشرفية كتابة السرّ بالحضرة السلطانية، فلم يتم الشهر حتى مات، ودفن بغزة (١)، فأغمدت منه المنايا غُضنًا، ووهبت منه الى جانب الملح بحرًا عَذْبًا، وكان هلالًا للشهر، وروضًا يُلْقَط من أفنانه الزهر.

قال شيخنا أبو الثناء: كان يبطئ ولا يخطئ، وقال: كان عنده اعتناؤه بالألفاظ أكبر من المعاني.

قلت: ويدلّ على هذا ما يرى، وقد وقفنا على كثير منه، واكثره متزن، لو تجسّد لاختزن، كأنّه في تساويه مسجع الحمامة، أو وقع الغمامة.

وحكي (٢) انه لما أناخ هولاكو على شاطئ الفرات، وفرش خوفُه الخدود لمواطئ العبرات، وقطعت من تلك الدولة الأواصر، وأصبحت وما لها قوة ولا ناصر، وكان الناصر بن العزيز قد جهز ولَدَهُ الى أردو هولاكو بطرفٍ بَعَثَها، وكتاب حل في سطوره عقد السحر ونَفَثَها، كتبه له هذا الكاتب المذكور، واستشهد فيه بالبيت المشهور: [من البسيط]

يجود بالنفس ان ظنّ البخيل بها … والجود بالنفس أقصى غاية الجُودِ (٣)

فلما عرضه على الملك الناصر، قال له: هذا كتاب لا يلام دونه القاصر، وكان الأنسب في هذا المكان ان لو استشهدت فيه بقول ابن حمدان (٤): [من الطويل]

فدى نفسه بأبن عليه كنفسِهِ … وفي الشدّةِ الصماء تفنى (٥) الذخائر

وقد يُقْطَعُ العضو النفيس لغيرِهِ … وتُدْخَرُ (٦) للأمر الكبير الكبائر

فأقر له بالصواب، وعلى نفسه بالخطأ، وبدَّل الاستشهاد بما قال، ثم ما أنقذ ذلك الكتاب من عثرة ولا أقال:

ومن نثره قوله:

كتابنا هذا والمرقب (٧) في قبضة ملكنا، وربوعه قد عادت أطلالًا، والأسياف


(١) توفي بغزة سنة ٦٩١ هـ.
(٢) الخبر في الوافي بالوفيات: ٦/ ٣٩٥.
(٣) البيت لصريع الغواني مسلم بن الوليد، ديوانه ص ١٦٤.
(٤) ابو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان، والبيتان في ديوانه ص ١١٥. ط دار صادر.
(٥) في الديوان: تقنى.
(٦) في الديوان: وتُدفع بالأمر الكبير.
(٧) المرقب: حصن على ساحل بحر الشام مقابل جبلة (معجم البلدان - المرقب).

<<  <  ج: ص:  >  >>