للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التي كانت في أيدي أهلها قد جَعَلْناها في أعناقهم أغلالًا، وقد علم المجلس ما كانوا يحدثون به نفوسهم، ويشعبون به رؤوسهم، واستفزهم من يحسن لهم في الطمع أمورًا، ويعدهم الأباطيل، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، وكان المانع أولًا ما كان من اضطراب الأمور، والتقاء الجيوش واختلاف الآراء، وتغيّر النيات، إلى أن أمكن الله ﷿ من كل مناوئ منافر، وظفرنا من الأعداء بكل كافر، ولكل مَنْ هو للنعمة كافر، ونحن مع ذلك نحيط بما يمكرونه علمًا، وتملي لهم ليزدادوا إثمًا، فلما تَلَمحْنا مخايل النصر، سرنا إليها سرى الخيال الطارق، وأسرعنا نحوهم كما تسرع لمحة البارق، ولم نزل نوقد لهم البواتر، وندير عليهم الدوائر، ونشتتُ لآرائهم شملًا، ونقطع من مكائدهم حبلًا، ونفض لعزائمهم جمعًا، وتكون جنودنا واقفةً بإزائهم، فيخيل إليهم من خوفهم أنها تسعى إلى ان أدركنا فيهم الثأر، وأطفينا بهم النار، وضَرَبنا عليهم الذلّة، وجمعناهم جَمْعَ القلة، وأصبح ما كان يحميهم يتحاماهم، وقلنا: يا سيوف دونَكِ وإياهم، وكانت هذه القلعة مكانها في جوار النجم، وفناء اليم، تقدمها الجبال، ويعصمها البحر، وتحجبها الأودية، ويحضنها الوعر، وتحفّ بها سيوف لا تكلّ، وآمال لا تمل، وآجال يحفظونهم ولا يضيعونهم، وقوم يعصون الله ويطيعونهم، وسطرناها، وبلادهم مهدومة، وجموعهم مهزومة، ويد الله فوق أيديهم، والخذلان من كل ناحية يناديهم.

ومنه قوله:

وبعد فإن الرتب شرفها بمتوليها ومتوقلها يزيد والعقد ما امتاز على السلوك إلا بواسطة حسبها نظام كل فريد، والمملكة جمالها وزيرها، وقوامها مشيرها، وأمورها تكون ضياعًا، وحزمها يكن مضاعًا، ما لم يُؤازرها ذو أزر شديد، ورأي سعيد، وقلم يقلّم ظفر الملم ويقوم بعبء المهم، ويجري بالأرزاق، ويدخرها، ويقتني الأموال العظيمة لمن يستصغرها، ولولاه لما افتخرت الدول، ولكانت مضطربة لولا ابتناؤها على الأقلام والأسل وكان أولى من عوّل على تدبيره، واهتدى في الأمور بنورِهِ أهلُ العلم، فإنهم المذكورون لمن مَلَك، والمستفتون في الأرواح والأموال ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلَكَ، ويسترشد بهم إذا ضلت الآراء، وأظلّت الأهواء، وطلت الأنواء، وتحكمت الأدواء، وتقسَّمت الأضواء، وكان فلان هو المعنى بهذا المدح، والجدير بأن تجلى عليه هذه الملح، وتجمل بإلقاء دروسه صدر كل إيوان، وبتصريفه مكان كل ديوان، وتحاسدت الوزارة والأحكام عليه، إلى أن نالت الوزارة منه نحتها، منشدة: [من الطويل]

<<  <  ج: ص:  >  >>