ووصلنا إلى السومنات (١) فوجدناها تخفي الرياح في مساربها. وتنزل الأبصار بين ذوائبها، بين غياض تشكو الأراقم فيها ضيق المضطرب، وصعوبة المنسرب. متكاثفة كأعراف الجياد، متداخلة كأشعار الحداد. لا تستجيب فيها الأفاعي للرقاة. ولا يستنير البدر عندها للسراة، في أذيال جبال تناغي كواكب الجوزاء. وخلال آجام تواري وجه الأرض عن عين السماء، فوافينا وقد أثْقَلَ العيون كراها، وأتعب النجوم سراها، في مدة اتصلت كعوب أيامها، وتناسقت فرائد نظامها، فأحطنا بها إحاطة القلائد بالجيد، والشذرة بالفريد، ثم اشتدَّ الوغى، فخيلت المعركة غمامها مثار القساطل. وبروقها بريق المناصل ورعودها صرير السلاح، ورشاشها صبيب الجراح، واستقبل المعمعة من الجنود رجال، يَرَوْنَ الملاحم ولائم، والوقائع نقائع، حطت الرماة أيديها في جعاب كخراطيم الفيول مملؤة بنبال كأنياب الغول. وظلت السهام تتهاوى كما تتهاوى لوامع الشهب وتترامى ترامي نوازع السحب. والطعن يهتك ودائع الصدور، ويرد مشارع الغموم والسرور، ولم تزل الملحمة حتى استقلت الشمس إكليلًا على الجبل، ونَفَضَتْ وِرْسًا على الأصل، فافترق الجمعان، وضرب الليل بينهما بجران إلى ان صافح الليل صباحه، ونثر النجم على الغرب وشاحه، فعادوا إلى أمسهم، وتداعوا من إثارة القتام إلى رَمْسِهِمْ، وصارت الأرواح تستقي بأرشية الأرماح. إلى أن تولّى عسكر البلد هزيمًا يقفوه الصباح. وهشيمًا تذروه الرياح. يتقاسمون الهرب جمامًا، ولا يردون الماء إلا لمالمًا، وعسكر السلطان في آثارهم يرميهم بالصواعق من ظُبَى السيوف البوارق. ويقذفهم بالشهب اللوامع من شبا الرماح الشوارع، حتى صار من سلم منهم إلى الأطراف ضرورة، إذ كانت جيوب الآفاق عليه مزرورة. وما برح السلطان يتطلب ملكهم حتى حصل في معتقله، وحصَّلَهُ في مكمن أَجَلِهِ، فهدأ من الخوف سرّه وختم بطابع الشقاء عُمره، ثم صعد السلطان المدينة، ودخل بيت البد وظفر منه ومنها بأموال طالما حفظتها صدور الخزائن مكتومة. وخنقتها خيوط الأكياس مختومة، مما أوْهَتْ في تعدادها أنامل الحساب. وأحْفَتْ بل أفْنَتْ أقلام الكتاب. فمن ذهب وفضة. ما منها إلا ما يُكاثر بالأحجار. ويستقل الأمصار. ومن لآل كأنما صوّرت من الشمس ضياءً، وخُلقت لمضاهاة حب الغمام عدًّا وصفاءً. ومن يواقيت كالجمر قبل الخمود، والخمر بعد الجمود. ومن
(١) السومنات: مدينة ساحلية واسعة بها علماء الهنود وعبادهم والصنم المعروف بها ويسمى (البد) كسره محمود بن سبكتكين، وحاز جميع ما فيه من جواهر وأحجار كريمة (وفيات الأعيان ٥/ ١٧١).