للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأنت، وخطب إلى نفس تلك العصبة من الطير نفسها فما ضنَّت، وصرع لغلغةً مليحةً، فأصابها في أقوى قوادمها إصابةً صحيحة صريحة، فأهوت الى بين يديه من مكامن مكانها، وحملها القديم الذي أشار إليه رافعا بالقسم بعلي لشانها، فتمنى كل تم لو حَصَلَ كما حَصَلَتْ، [و] ود كل صوغ لو صيغت عيونه في جملة حليها التي فصلت، وانه ادعى لنا بهذه النسبة التي تثنت بالقبول أحكامها، وتقضي بانتساج الأواصر حكامها، وقد علم بذلك جميعه، وأفضنا في شكره، وأفضينا إلى غاية الثناء الجميل عند ذكره، وسررنا ببلوغ الوطر، وحصول الظفر، وتفاءلنا أنه كذلك ينزل على حكم سيوفنا كلّ مَنْ كَفَر، وقابلنا ذلك بوجه القبول المبتهج، وأمضينا حكم هذا الانتماء الملتحم والانتساب الممتزج، ومن أولى منه بهذا الفخر الذي انتظمت عقوده، وتقابلت في أفق مجدِهِ سعوده، فليأخذ حظه من بشرى هذا القبول وبشره، حبرة خبره الذي يتضوع الوجود بنشره، والله تعالى يجعل مطالبه مقرونة بالنجاح، قادمةً إليه بأنباء السعود على أوثق قوادم واثبت جناح.

ومنه قوله في النيل:

أجرى الخلق على عوائد كرمه وأجرى لهم قدرته من حجب الغيب مواد نعمه، وأعلا لديهم موارد نيلهم، حتى ما كان يشرب بعروق ساقه من نيلهم بتناول الماء بفمه، وأمر البحر فأقبل بالفرج القريب من الأمد البعيد، وأذن له في الرفع عن محله، فسجد على الترب شكرًا وتيمم الصعيد، وإن لم يبق به الآن على وجه الأرض صعيد، وأقبل بعد تقصير عامه الماضي بوجه عليه حمرة الخجل، وعزم سبق سيفه إلى المحل العدل بالأجل، وحزم أدرك الجدب موجه قبل أن يقول سآوي إلى جبل، واستظهارًا على كل ما علا من الأرض حتى أن الهرمين باتا منه على وَجَل، ومهد الأرض التي كانت ترقبه فهولها المنظر على الحقيقة، ووطيء بطن الثرى فنتج الخصب بينهما، وذبح المحل في العقيقة، وتجعد على الآكام فخيل للعيون أنها تسيل، وشبّت مفارق الثرى بياض زبده وعادة بياض الشيب أن يخضب بورق النيل، يستقبل نعم الله التي سيسم الأرض وسمها، ويولى النعم وليها، ويأتي بالركاب أتبها، حتى تغص بالنعم تلك الرحاب، ويظن لعموم ذي البلاد الشامية أن نيل مصر رَكِبَ إليها على السحاب.

ومنه قوله في مثله:

صدرت، ونعم الله قد عَمَّت، وآلاؤه مع تحقق المزيد قد تمت، والسيل قد بلغ في تتبع بقايا القحط الزبى، والنيل قد عم بنيله حتى كلل مفارق الآكام وعمم رؤوس الربى، وحمى الأرض من تطرق المحول إليها فاصبحت منه في حرم، وظهرت به

<<  <  ج: ص:  >  >>