أصحابه (١) بقايا مدة الرّقّ، وقد أخذلّت عيون النور لوداعها، وهُمُ الروض بخُلع
حلّته المُموّهة بذهب شُعاعها: [من البسيط]
والطَّلُّ في أَعْيُنِ النَّوّارِ تَحْسَبُهُ … دمعًا تَحَيَّرَ لمْ يرقأُ ولمْ يكُفِ
كُلُولؤ ظلّ عِطْفُ الغُصْنِ مُتَّشِحًا … بعِقْدِهِ وتبدّى منهُ في شَنَفِ
يَضُمُّ منْ سُنْدُسِ الأوراقِ في صُرَرٍ … خُضْرٍ ويَجْنِي من الأزهارِ في صَدَفِ
والشمس في طِفْلِ الإمساء [تنظرُ مِنْ] (٢) طَرَفٍ غدا وهُو منْ خَوْفِ الفِراقِ خَفِي
كعاشقٍ سَارَ عن أحبابِهِ وهَفا … بِهِ الهوى فتراءاهمْ على شَرَفِ
إلى أن نضا المغربُ عن الأفقِ ذَهَبْ قلائدها، وعوّضه عنها النجوم بخُدَمِها وولائدها، فلبسنا بعد أداءِ الفَرْضِ لُبُثَ الأَهْلَة، ومَنَعْنا جفوننا أن تردّ النوم إلا تحلة، ونهضنا وبَرَدُ الليلِ مُوشَّعُ، وعِقْدُهُ مُرَصَّعُ، وأُكْلِيلُهُ مجوَّهَرُ، وأَدِيمُهُ مُعَنْبَرُ، وبدرُهُ في خِدْرِ سرارِهِ مُسْتَكِنُ، وفجرُهُ في حشا مطالعِهِ مُسْتَجِنُ، كان امتزاج لونه بشفق الكواكب خليطا مسك وصندل فكأن ثرياه لامتِداده مُعَلَّقَة بأمراس كتانٍ على صُمِّ جَنْدَل [من الطويل] (٣):
ولاحتْ نجومُ الليلِ زَهرًا كأنّها … عُقودٌ على خُودٍ من الزّنجِ تُنْظَمُ
محلّقة في الجوّ تُحْسَبُ أنّها … طيورٌ على نَهرِ المَجَرّةِ حُوَّمُ
إذا لاح بازي الصُّبْحِ وَلَّتْ يُؤمُّها … الي الغرب خوفا (٤) منه نسر عناق
إلى حَدائقَ مُلتَفَّةٍ، وجداول مختفة، إذا جَمَشَ النسيم غصونها اعتنقت عناق الأحباب، وإذا فَرَكَ من المياه متونها انسا بت في الجداول انسياب الحباب، ورَقَصَتْ في المناهلِ رَقْصَ الحباب، وإن لمْ تُغَوْرْ نورها، حيتْهُ بأنفاسِ المعشوق، وإن أيقظ نواعسُ وَرْقِها غَنَّتْهُ بألحانِ المَشُوق، فنسيمها وان، وشَمِيمُها لِعُرْفِ الجِنانِ عُنوان، ووردها من سهر نرجسها غَيْرانُ، وظِلَّها في خُدودِ الوردِ مُنْبَعِثُ وفي طُرَرِ الريحان حيران وطائرها غَرِدُ، وماؤها مُطَّرِدُ، وغصنها تارةً يعطفُه النسيم إليه فينعطفُ، وتارةً يعتدلُ تحت ورْقائِهِ فتُحْسَبُ انها همزة على أَلِف، مع ما في تلك الرياض من توافق
(١) في حسن التوسل وصبح الأعشى: صحبه
(٢) ما بين معكوفتين ليس بالأصل: وهي من حسن التوسل.
(٣) تضمين لبيت امرئ القيس: [من الطويل]
كأن الثريا علّقتْ في مصامها … بأمراس كتانٍ الى صمّ جندل
(ديوانه ١٥٢).
(٤) في حسن التوسل: خوفًا.