سيعود كأبيه أسدًا هَصُورًا، والله تعالى يَهَبُ العبد عمرًا يبلغ به من طاعة مولانا ما يَجِبُ عليه، ويرزقه عملًا صالحًا يتقرب به الى ربه وإليه.
ومنه قوله (١): رسالة كتبها في البندق:
الرياضة - أطال الله بقاء الجناب الفلاني، وجعل حُبَّه كقلب عدوّه واجبا، وسَعْدَهُ كوصف عَبْدِهِ للمسار جالبًا، وللمضار حاجِبًا - تبعث النفس على مجانبة الدَّعَةِ والسكون، وتصونها عن مشابهة الحمائم في الركون الى الوكون، وتحضُّها على أخذ حَظها من كُلِّ فَيٍّ حَسَنٍ، وتحثها على إضَافَةِ الأدوات الكاملة، الى فصاحة اللسن، وتأخذ بها طورًا في الجِدِّ وطورًا في اللَّعِبَ. وتُصرِّفُها في مَلاذ السُّمُو في المشاق التي يَستَروحُ اليها التعب، فتارة تحمل الأكابر والعظماء (٢) في طلب الصيد على مواصلة السرى، ومقاطعة الكرى، ومهاجرة الأوطار، ومهاجمة الأخطار، ومكابدة الهواجر، ومبادرة الأوابد التي لا تدرك حتى تبلغ القلوب الحناجر، وذلك من محاسن أوصافهم التي يُذَمُّ المعرض عنها، وإذا كان المقصود من مثلهم جد الحرب، فهذه صورة لَعِبٍ يُخْرَجُ اليه منها، وتارة تدعوهم الى البروز الى الملق، وتحدوهم في سلوك طريقهم (٣) مع من هو دونهم على مُلازمة الصدق، ومُجانبة الملق، فيعتسفون اليها الدجى إذا سَجَا، ويقتحمون (٤) جرف النهار إذا انهار، ويَتَنعمون بوعثاء السَّفَر في بلوغ الظفر، ويستصغرون ركوب الخطر في إدراك الوطر، ويُؤثرون السَّهَرَ على النوم، والليلة على اليوم، والبندق على السهام، والوحدة على الالتئام، ولما عُدْنا من الصيد الذي اتصل بعلمه حديثه، وشرح له قديم أمْرِهِ وحديثَهِ، تُقْنا إلى ان نَشْفَع صيد السوانح برمي الصَّوادح، وأن تفعل في الطير الجوانح بإهِلَّةِ القسي ما تفعل الجوارح، تفضيلا لملازمة الإرتحال على الإقامة في الرحال، وأخذًا بقولهم:[من البسيط]
لا يُصلح النفس إذ كانتْ مُدَبرةً … إلا التنقل من حال الى حال
فبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها، وتُشيرُ من الأفق الغربي الى جانب رمسها، وتُغازل عُيونَ النَّور بمُقلَةَ أرمد، وتنظر الى صفحات الورد نظر المريض الى وجوه العود (٥)، فكأنها كتيب أضحى من الفراق على فَرَقٍ، أو عليل يقضي بين
(١) حسن التوسل: ص ٣٥٣، وصبح الاعشى ١٤/ ٢٨٨. (٢) في حسن التوسل: العظمة. (٣) في حسن التوسل: طريقهم. (٤) بعدها في حسن التوسل: في بلوغها. (٥) تضمين لقول النابغة الذبياني: [من الكامل] نظرتُ إليك بحاجة لم تقضها … نظر المريض إلى وُجُوهِ العُودِ