المحاسن، وتباين الترتيب، إذ كُلّما اعتل النسيم صَحَّ نشر الروض (١) وكلما خرّ الماء شمخ القضيب: [من الكامل]
وكأنما تلك الغصون اذا انثنتْ … أعطافُها رُسُلُ الصَّبا أحباب
فلها إذا افترقت من استعطافها … صُلْحٌ ومِنْ سَجْعِ الحمام عاب
وكأنها حول العيونِ مَوَائِسًا … شَرْبٌ وهاتيك المياه شراب
فَغَدِيرُها كاس وعذب نطافها … راح وأضواء النجوم حباب
تحيط بمَلَقٍ (٢) نطافُها صافٍ، وظلال دوحها ضافٍ، وحصاها لصفاء مائها في نفس الأمر راكدة وفي رأي العين طافٍ، إذا دغدغها النسيم حَسِبت ماءها بتمايل الظلال فيه يتبرج ويميل، وإذا اطردت عليه أنفاس الصبا ظننت أفياء تلك الغُصون فيه تارةً تتموج، وتارةً تسيل، فكأنَّه مُحِبُّ هام بالغصون هوًى، فمثلها في قلبه، وكأن النسيم كلف (٣) غار من دنّوها إليه فمثلها عن قربه: [من مجزوء الكامل]
والسرو مثل عرائس … لفّت عليهن الملاء
شَمَّرنَ فضل الأزْرِ عن … سُوقِ خَلاخِلُهُنّ ماءُ
والنهر كالمرآة تـ … صر وجهها فيه السماء
وكأن صواف الطير المبيضة بتلك الملق خيام أو ظباء بأعلى الرقمتين قيام، أو أباريق فضّةٍ (٤) رؤوسها لها فدام، ومناقيرها المحمرة أوائل ما انسكب من المدام، وكأن رقابها رماح اسنتها من ذهب، أو شموع، اسْوَدُ رؤوسها ما انطفأ وأحمره ما التهب، وكنا كالطير الجليل عدّه، وكطراز العمر الأول جَدُّه: [من الكامل]
من كل أبلج كالنسيم لطافة … عفّ الضمير مهذب الأخلاق
مثل البدور ملاحة وكعُمِرها … عددًا ومثل الشمس في الإشراق
ومعهم قسي كالغصون في لطافتها ولينها، والأهلة في نحافتها وتكوينها، والأزاهر في ترافتها وتلوينها، وبطونها مدبجه (٥)، ومتونها مدرجة، كأنها الشَّولة في انعاطفها، أو أرواق الظباء في التفافها، لأوتارها عند القوادم أوتار، ولبنادقها في الحواصل أوكار، إذا انتصبت لطير ذَهَبَ من الحياة نصيبُهُ، وإن ينصب (٦) لرمي بدت لها أنه أحَقِّ بها من نصيبه، ولعلَّ ذاك الصوت زجر لبندقها، وإن يبطيء في سيره، أو
(١) في حسن التوسل: صح الأرج.
(٢) الملق: ما استوى من الارض (القاموس).
(٣) في حسن التوسل: كلف بها.
(٤) في حسن التوسل: أباريق من فضة.
(٥) في حسن التوسل: مدلجة.
(٦) في حسن التوسل: أنبضت.