لمهمات الدولة القاهرة ذخائر تصرفه الجميل، وحسن تأثيره، وليزن ذلك بالرفق المثبت فإنه مع الخبرة أجدى من العنف وأجدر، وإذا رام المنبت بلوغ الغاية، فإن المتثبت أقوى منه على ذلك وأقدر، فإن النماء مع العدل كفرسي رهان، وليس الخبير من حصل الأموال بالظلم، بل من حصلها والحق عزيز والباطل مهان، وليتحر الحق المحض فيما أَمَرَ بأخذِهِ رفقًا، ويناقش على حقوق بيت المال فإنهما سواء من أخذ لغيره باطلًا أو ترك له حقًا، وليجتهد في عمارة البلاد، فانها على الحقيقة معادن الأرزاق وكنوز الأموال التي لا ينفدها الانفاق.
ومنه قوله:
وقلّدته مهابتنا سيفًا يلمع مخايل النصر من غمده، وتشرق جواهر الفتح في فرنده، وإذا سابق الأجل الى قبض النفوس، عرف الاجل قدره فوقف عند حده، ومتى جرده على ملك من ملوك العِدا وهنَتْ عزائمه، وعجز جناح جيشه ان تنهض به قوادِمُهُ، وعلم ان سيفنا على عاتق الملك الأغر نجاده، وفي يد جبار السماوات قائمه.
ومن قوله:
وسرنا بالجيش الذي لا يدرك الطرف حدّه ولا الوهم عدّه، وكأن ذوائب السحاب عذب بنوده، وكأن شوامخ الآكام مناكب أبطاله مواكب جنوده، وما قصد عدوا إلا ونازلهم قبل خيلهم خياله، وقضى عليهم وعده ووعيده، قبل ان ترهف اسنته أو ترعف نصاله، وإذا لمع حديده وخفقت عذبه وبنوده، قيل هذا غمامُ تَلَهَّبَتْ بوارِقُهُ، ودمدمَتْ صواعقه، أو بَحْرٌ تلاطمت أمواجه، أو سيل غصت به فجاجه، وعكس اشعة الشمس اضطرابه وارتجاجه، وما علا جبلا إلا وألحق صعوده إليه جَرْيَهُ بالصعيد، وما منع الريح مواجهته إلا لتسمع صهيل خيله بأقصى الروم من أقصى الصعيد.
ومنه قوله:
وما رهَجَ العدو المخذول بالحركة، ورمى الصيت، فإن عدة العاجز الصياح، وقوة الجبان في القول، والقول يذهب في الرياح، وقد علموا أنهم ما قدموا إلينا إلا وكان أحد سلاحهم الهرب، ولا طمعوا في النجاح وكان لهم في غير الحياة أرب، يبالغون في الاحتشاد، والجازر لا يهوله كثرة الغنم، ويستكثرون من السواد ووجود مَنْ لا ينفع أشبه شيء بالعدم، فقوّتهم ضعيفة، ووطأتهم خفيفة، وثباتهم أقصر من حل العقال، وصبرهم أسرع من الظل في الانتقال، وخيولهم لا تطيع أمر أعنتها إلا في الفرار، ورماحهم لا تحمل كل أسنتها إلا للخور والانكسار، وسهامهم لا عهد لها بالمقاتل، وصفاحهم كلّ شيء من القصب غيرها يمكن وصفه بأنه قاتل، فإن