للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فيرقّيه من الهدب في سلالم، بل (١) يمطيه طرف طرفه ويجعلها له شكائم، لا بل يرخيها لصونِهِ أستارا، ولا يصفها بأنها دخان إذ كان يجلّ موطن الطيف الكريم أن يؤجج نارا، ويعظمه عن انه إذا أرسل خياله رائدًا، أن تتبعه المناظر (٢) وأن يكلفه مشقةً بسلوك مدارج الدموع، إذ هي محاجر، ثم يخشى أنه يحصل نفور من التغالي في وصف الدموع بأنها سيول، فيهول من أمرها ما يهول، ويقول: هل الدمع إلا ماء يرش به بين يدي الطيف، وهل الهدب على تقدير انها دخان إلا ما لعله يرتفع لما يقري به الضيف؟ وعن إبراد الأجفان (٣) بهذا وإسخان العيون بهذه هل هما لايلاف الخيال إلا ما يقصده من رحلة الشتاء ورحلة الصيف؟ ثم يحتقر المملوك إنسان عينه عن انه يلزمه هذا الأمر تكليفا، ويتدبر قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٤) ويقول له لا تطيق القيام بما لهذه الزورة للزوم من الوظيفة (٥)، لأن النوم سلطان وخليفة، وأني بذلك مع خليفة الحبيب ويد الخلافة لا تطاولها يد، والعيون في الصبا زورتها حقيقة، ويمكن أن لا توصف إلا بأنها ضعيفة، فيقول: كم مثلي انسان تطاول لاستنزارة الطيف حتى طرق؟ وكم خيال أتى على أعين الناس فجاء محمولًا على الحدق؟ وكم محب درأ عن النوم بشبهة تغميض الأجفان عن غير غمض (٦) حد القطع على السرق، ثم يأخذ في طريقة غير هذه الطريقة، ويرى الاكتفاء بالمجاز عن الحقيقة، وإذا أقامت (٧) العين الحجة في تصويب استزارة الخيال يقول: ما هذه من الحجج التي تسمّى وثيقة، ويرى ان تمثل الشخص الشريف في الخاطر قد أغناه عن ان يتقلد منه الكرى وكفاه انه ينشد: [من الكامل]

سُرَّ الخيالُ بِطَيْفِهِ لَمَّا سَرَى

ولم يحوجه حاشاه إلى أنه يزوّر له محضرًا ولا أنه ينشد: [من الكامل]

أتُرَى دَرَى ذَاكَ الرَّقِيبُ بِمَا جَرَى

اللهم إلا ان يورد مورد العين أنفع ما يُدخر، والعين الصافية ما برح عندها من الخيال الخبر، وإذا كان القلب متولي الحرب مع الأشواق فكيف يشامح الخيال على انه متولي النظر؟ فحينئذ يشتاق الى الوسن، ويمد له من الهدب الرسن، ويزوره ويستزير، ويقصد ويتلو (ويعفو عن كثير) (٨) ويذهب لأجل ذلك مذهب من يرى أنه


(١) في الوافي: لا بل.
(٢) في الوافي: ان يتبعه الناظر.
(٣) في الوافي: وعن إيراد الجفون.
(٤) سورة النساء: ٢٨.
(٥) في الوافي: لهذه الزورة الشريفة من الوظيفة.
(٦) في الوافي: عمد.
(٧) في الوافي: أومأت العين للحجة.
(٨) سورة المائدة: ١٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>