يقدم الايام على الليالي، ويعظمها لأنه مظنة هجمة الخيال، ويجعل جفونه أرض تلك النجمة التي يُغلب عليها، وما برحت تغلب لها أرض الجبال، وأما النيل فكم احتقره المملوك بالنسبة الى كرم مولانا ونواله، وتكره مذاقه بالاضافة الى زلاله، ويحقق ان مقياس راحته هو الذي يَسْتَسْعِد به الأمم، وان الأصابع من الاصابع الكريمة، والعمود القلم، وان طالب ورد ذاك تعب، وطالب جود سيدنا مستريح، ويكفي واصف نواله له وهو غاية المديح.
واما ما لابن العطار من شعر فكتب أبو الفضل عبد الله بن عبد الظاهر إليه (١): [من البسيط]
لا تُنكرن على الأقلام إن قَصُرَتْ لها … مساع إذا أبصرتها وخطى
فعارض الطرس في حد الطروس بدا … من أبيض الرسل شيب فيه قد وَخَطا
فقال ابن العطار يجيبه (٢): [من البسيط]
أقلام فضلك ما شابت ولا قَصُرَت … لها (٣) مساع إذا انصفتها وخطى
بل عارض الطرس لما شابَ غيّرَهُ … بِعُشْبَةِ قبل شيب فيه قد وَخَطا
ومنه قوله (٤) في رثاء الظاهر بيبرس (٥) البندقداري: [من الكامل]
بكت القِسيُّ لفقده حتى انثَنَتْ … ولها عليهِ مِنَ الرنين تحسرُ
ولحزنها بيض الصفاح قد انحنتْ … وتَبِيت في أغمادها تتسترُ
أَرْخَتْ ذوابِلُهُ ذوائبها أسى … وَلِرَنْكِهِ وجه عليها أَصْفَرُ
ولواؤه لبِسَ الحِداد فهلْ تَرَى … كانَ الشعار لفقده يستشعر
ملك بكته أرائك وترائب … وملائك وممالك لا تُحْصَرُ
ولكم بكتهُ حُصْنُهُ وحصُونُهُ … ونزيلُهُ ونزاله والعسكر
مَنْ للممالكِ بَعْدَهُ مِنْ كافل … كم حاطها بالرأي منه مسور
(١) البيتان في الوافي: ٨/ ١٧١
(٢) البيتان في الوافي: ٨/ ١٧١.
(٣) في الاصل: له.
(٤) الوافي: ٨/ ١٧١.
(٥) بيبرس، الملك ظاهر، ولد في القبجاق، وأسر في سيواس ونقل الى حلب ثم القاهرة، فاشتراه علاء الدين أيدكن، ثم اخذه نجم الدين أيوب، فأعتقه وتقدم عنده حتى صار أتابك العساكر المصرية، ايام قطز وشارك في معركة عين جالوت ضد التتار، ثم اغتال قطز وتولى سلطنة مصر، وكان شجاعا جبارًا.
أخباره كثيرة. مات بدمشق سنة ٦٧٦ هـ واقيمت حول مرقده المكتبة الظاهرية.
ترجمته في: فوات الوفيات: ١/ ٨٥، والنجوم الزاهرة: ٧/ ٩٤.