للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مناجز يشير ألا هل من مبارز؟

ثم النسر الذي علا عليها شأنًا، وغدا لها سلطانًا، وسار فيها بالعفاف عن دمائها أجمل السير، وتحصّن في قنّة الجبل بقبة السماء فأصبح صاحب القبة والطير، حتى لقد ضج الأبد من عمر لبد، لما طالت صحبته له على رغمِهِ، واستعان به النمرود في الصعود الى السماء على زعمه، فما ظنك بفتية تقصد صرع من هذه قواه، ومن جملة أنجم السماء أخواه، لو صارعه عقاب الجوّ لصرعه، أو عارضه أحد النسرين لما قدر ان يطير معه.

ثم العقاب التي اشتهر منها الشهامة والضراوة، حتى اشتهر ما بينها وبين الحية من العداوة، فإنها توسّد فرخها لحوم الأرانب، وما عنقاء مغرب عندها إلا كبعض الجنادب، وطالما حلق وراء كل جنس عصائب منها تهتدي بعصائب (١)، من كل لقوة ذي دكنة وقوة، تخال الغواني ضَمّختها بالغوالي، أو درعتها الغوادي مدرعة الليالي. [من الطويل]

كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا … لدى وكرها العناب والحَشَفُ البالي (٢)

وأما التي تحمل بأسباقها، ولا تجهل بأعناقها فنقول:

ثم الكركي الذي فاق العقاب في قوّة طيرانه، والنسر وأم مصر من الدربندات، ولم يبعد على عاشق مصر، نجعة من أقصى البلاد وآفاقها خوارج في طلب أقواتها وأرزاقها.

ثم الغرانيق، التي لا تبرز إلا محمرة الحدق لقوّة الغيظ وشدّة الحنق، حذرةً من قوس الرامي وبندقه، مدرع كل طائر منها محبوك الزرد من مفرزه الى مفرقه. ثم الضوع (٣) الذي زاد على الطيور طولًا وعرضًا، وأعد للدفاع من مغرزه ما هو انكي من السيف والسنان وامضى، وطالما رام الرامي إلحاقه بإرسال البنادق وراءه فأتعب جياد القسي وانضى، كأنه قطعة من الغيم تصرفها الرياح، او بقية الغلس من الليل على وجه الصباح، وكأنما وَرَدَ مرّةً نهر المجرة، ورعى نرجس نجومه كرة، وخاف ان يكون لها كرة.

ثم المرزم (٤) الذي يبارز بجوشن مورد، وجؤجؤ مزرد، كأنه صرح ممرد، كأنما خرج من الهيجاء في طلب النجاء، وبه رشاش من الدماء، فتبصر فإذا الطير مسخّرات في جو السماء.


(١) اشارة إلى قول النابغة:
إذا ما غزا بالجيش حلق فوقهم … عصائب طير تهتدي بعصائب
(٢) البيت لامرئ القيس، ديوانه ٣٨.
(٣) قيل هو ذكر البوم (حياة الحيوان ٢/ ٣١٤).
(٤) المرزم: من طيور الماء (حياة الحيوان ٢/ ٢١٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>