للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالصيد من وجه الأرض فعمدوا الى الصيد من كبد السماء، ولم يجدوا ذلك إلا في صرع الطائر الجليل، الذي لا يشترك فيه صغير مع كبير، ولا حقير مع جليل، ولو لم يكن فيه مع حصول المراد إلا السلامة من التقطر عن الجياد، الكارة أولاها بالاختيار، وأحقها عند الاختبار، وانفوا من كسائر كأشلاء الذئاب، وفضلات ما أكلته الفهود وَوَلِعَتْ به الصقور وَوَلَغَتْ فيه الكلاب، فعمد كل منهم الى الانفراد في رمائه، وصرع كل طائر يتخبط في ذمائه، مخلّق بدمائه، مراصد بارتقائه لعيون الأوتار مع التفافه وتحليقه جذر في حالتي اجتماعه وتفريقه، وتغريبه وتشريقه، وإذا فكر اللبيب فيما أودعه الباري من القوى فيها، ظهر له أسرار ما أخفاه من بدائع صنعه بين قوادمها وخوافيها، فمنها التّم (١) الذي هو اتمها صورة وأعظمها سورة، قد علا على الغيوم لرمي بنادق النجوم، وخاص بحر الظلام وعب فيه وأخذ منه قطعةً بساقيه، وقطعةً بفيهِ، حتى وَرَدَ على جبال من برد، فاكتسب منها رياشه، واكتسب من بياضها أرياشه.

ثم الكي الذي هو في طيرانه واعتناقه في مضماره واستنانه كالفراس في ميدانه، كأنه النجم في حالة الرجم، لو عارضه السماك لاقتتعلعه، أو الحوت لابتلعه.

ثم الأوز الذي يمشي متبخترًا، وينقر متحذِّرًا، كأنما يدوس على مثل حدّ السيف، ويمتاز على أبناء جنسه برحلتي الشتاء والصيف، يبيتُ على فرد رجل واحدة، ويرمق موهمًا ان عينه راقدة، وليست براقدة.

ثم اللغلغ (٢) الذي من بلاد الخزر، ولا يتقي من البندق سهام القدر، ولا يخشى ان يصيبه عين من الوتر، لا يحارب إلا بسحر الجفون من خزر العيون، ولا يستجنّ الا من تدبيج الصدر بزرد موضون.

ثم الأنيسة تهادى تهادي الطاووس، وتختال اختيال العروس، حتى تلتقط حبات القلوب، وتصيد سوافر النفوس كم قطعوا في طلبها من أنهار نهار، وسمحوا باتفاق اكياس النجوم خزائن الليل وما فيها من درهم ودينار، فما فازوا بوصالها، ولا ظفروا إلا من على وجه الماء بطيف خيالها.

ثم الحبرج (٣)، الذي تهادى في مشيته غير مروع، وكأنما على كتفيه بقايا من صدأ الدروع، لم يتدرع بمقاصة الأنهار، ولا أوى إلى ظلّ الاشجار، بل بَرَزَ كأنه


(١) التّم: طائر يكبر الاوز، في منقاره طول، وعنقه اطول من عنق الاوز (حياة الحيوان ١/ ٢٣١).
(٢) هو اللقلق كما في حياة الحيوان ٢/ ٣٠٨.
(٣) هو ذكر الحبارى (حياة الحيوان ١/ ٣٢٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>