للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تحرك به لسانك لتعجل به (١٦)(١)، ونهى عن العجلة تارة في الخير، وتارة في الشر قولا جزما، فقال : ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) (٢) وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١١٤) (٣) ولا ريب ان الثبات من الله تعالى والعجلة من الشيطان الرجيم، وان الله عزوجل امتن بالتثبيت على النبي الكريم فقال : ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٤) ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)(٥) ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)(٦) وإن ورد عن سليمان طلب الاسراع في الكتاب المبين فكذلك ورد عنه التثبيت في قوله تعالى: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٧)

وبماذا يصف الواصف أو ينعت الناعت فرق ما بين العجلة والتأني، ويكون المرء من أمره على بصيرة ويشاهد في مرآة فكره صورة الخيرة، ويأمن من تردد الحيرة، وقد قيل: أصاب متأن أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد، وحصل على أنكاد وأي أنكاد، ولولا التأني قبل ارسال السهم لم تحصل به النكاية، ولولا التثبت في إطلاقه ما وصل إلى الغرض ولا بلغ الغاية، فالعجلة والندامة فرسا رهان وشريكا عنان، وإن حمد المجلي يوم الرهان، وما زالت ثمرة العجلة الندامة، وربما كانت الهلكة في العجلة وفي التؤدة السلامة، وفي الثبات والاناة ما لا يحصر من أمر العواقب في سائر الحالات، وأسرع السحب في الجهام، وما الاقدام في كل أمر من الشجاعة، ولا الثبات من الإحجام: [من البسيط]

والحرب ترهب لكن الأناة لها … عند التأيد اضعاف من الرهب

لا يأمن الدهر بأس الجمر لامسه … وقد يروح سليما لامس الذهب

والتسرع خرق، والأناة حلم ووقار، والتثبت دليل القدرة من الله ﷿ مثبت القلوب والأبصار، وفرق بين الشجرة الثابتة والشجرة التي ما لها من قرار، وما كان الثبات في شيء إلا زانه ولا التسرع في أمر إلا شانه، ومع العجل الزلل، ومع الزلل الخجل ومع الخجل الوجل، ومع الوجل الخلل الجلل، وللثبات وثبات وأي وثبات، وقليلا ما حصل النصر والظفر إلا بالكمين والبيات، وقد حكم الصادر والوارد والمداني والشارد، وأقر المعترف والجاحد، واعترف الصديق والعدو


(١) سورة القيامة: ١٦.
(٢) سورة مريم: ٨٤.
(٣) سورة طه: ١١٤.
(٤) سورة النساء: ١٢٢.
(٥) سورة الاسراء: ٧٤.
(٦) سورة الفرقان: ٣٢.
(٧) سورة النمل: ٢٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>