والحاسد، وسار في الأقطار والآفاق، وبلغ مصر والشام والروم والعراق. [من الطويل]
وسار به من لا يسير مُشَمِّرًا … وغنّى به من لا يُغَنِّي مُغَرّدا (١)
ما حصل للإسلام والمسلمين من الانتفاع ولعدو الدنيا والدين من الوهن والضعف والاندفاع بثبات المقر العالي الجمالي، كافل الممالك الشريفة الشامية أعز الله انصاره ومقامه على المرج مع قوة الهرج وكثرة المرج، وانه قام بذلك للدين نصيرًا وللملك ظهيرا، وأخذ هو ومن أقام بخدمته من العساكر الشامية بقوله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢)[من الوافر]
سديد الرأي لا فوتُ التأنّي … يُلِمُّ به ولا زللُ العَجُول
وقد كان العدوّ المخذول يظن انه يركن الى الإحجام، ويتربص الدوائر والعرصات من سهام الأيام، فاخلف الله ظنّه، وعجّل هلاكه وضعفه ووهنه، وتحقق أنّه الطود الذي لا يلتقى والسور الذي أحاط بالشام فما ان يُتَسوّر ولا يرتقى، فأجفل إجفال الظليم، وطلب النجاة لنفسه ولم يلو على مال ولا حريم، وحفظ الله تعالى بثباته الاسلام، ورقه خواطر أهل الديار المصرية، وصان أهل الشام، وعادت العساكر المصرية الى بلادها، عود الصوارم الى أغمادها، والأجفان الى رقادها، والجنوب الى مهادها، وافتدى بالسلطان الشهيد قدس الله روحه كما مضى وسبق، وجاءت النصرة بحمد الله تعالى كما أراد لا كما اتفق، وأصبح وأمسى يثني عليه عدوّه فيقول حاسده صدق، وبدل الله المسلمين بالأمن بعد الأوجال، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (٣)، وكان من خبر كذا وكذا.
قلْتُ: ولشهاب الدين محمود (٤) في معنى ذلك:
أما بعد حمد الله ميسر أسباب النجاح، وجاعل قوائم العاديات في مصالح الإسلام كقوادم ذات الجناح، فهذه تطوى لها الأرض كما تطوى لذي الصلاح،
(١) البيت للمتنبي من قصيدته المشهورة: لكل امرئ من دهره ما تعودا … وعادة سيف الدولة الطعن في العدا (دوانه ص ٣٧٠). (٢) سورة الانفال: ٤٥. (٣) سورة الاحزاب: ٢٥. (٤) ابو الثناء شهاب الدين محمود بن سلمان بن فهد، مضى ذكره وستأتي ترجمته.