للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عدنا إلى ابن العطار.

ومن إنشائه رسالته التي سمّاها «رصف الفريد في وصف البريد»:

أما بعد حمد الله البرّ، المسير في البحر والبرّ، والصلاة على من علا البراق، واخترق السبع الطباق، وعلى آله وصحبه الذين سبقونا بالايمان وعلى التابعين لهم بإحسان، فإنه لما كانت النفوس مولعةً بحبّ العاجل متطلعة الى الاطلاع على المستقبل من الأمور والآجل، لم تزل أنفس الخلفاء والملوك، وأنفس الأكابر من الأمراء والعظماء به كَلِفَةً صبّة، والى استعلام أحوال ممالكها وعساكرها ورعاياها مُنْصَبّة، وعلم مثل ذلك من خلق الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، فبردهم في الآفاق ضاربة، وطلائعهم تارة بالمشارق طالعة، وآونة في المغارب غاربة، كرة في بحار السراب تعوم، وأخرى بالآفاق كأنها نجوم: [من الطويل]

تروح فتغدو في الصباح طريدةً … وتغدو فتبدو في الظلام خيالا

تستطلع لهم خبرًا، وتطوي وتنشر بساط الأرض وردًا وصَدَرًا، وتعوض أسماعهم بما تنقله إليهم أثرًا، عما فات أعينهم مشاهدة ونظرًا: [من الكامل]

فلهم وإنْ غَدَتِ البلاد بعيدة … طَرْفٌ بأطراف البلادِ مُوَكَّلُ (١)

من كل فتى قد هجر الكرى، وأشْبَه البدر فلا يمل من طول السرى: [من البسيط]

وخلف الريح حسرى وهي جاهدةً ومرّ يختطف الأبصار والنظرا قد أعد للسفر في ليله ونهاره من الخيل كلّ أشقر صباح، وأشهب مساء، وأصفر أصيل، وادهم ليل: [من مخلع البسيط]

وألجم الصبح بالثريا … واسرج البرق بالهلال

وسابق الظلال فهي تَزْوَرُّ عنه ذات اليمين وذات الشمال، فلا تزال من ورائه مشرقًا قبل الزوال، ومغربًا بعد الزوال، موكل بفضاء الأرض يذرعه متوقع ان كل بلد يقطعه: [من الكامل]

وكأنما اتخذ البروق أعِنّةً … وكأنما اتخذ الرياح جناحا

فمما أنبأ الكتاب العزيز من تطلع المرسلين والأنبياء الى سرعة الاطلاع من الأمور والانباء ما ورد في قصة سليمان من طلبه سرعة إتيان عرش بلقيس


(١) البيت للبحتري (ديوانه ٣/ ١٧٥٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>