للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقفلت المسالك بتقاليدِهِ، واصطفته الرئاسة لقربها، واصطفت له السياسة موارد شربها، وكتب كتب السير أكثر عمره، وصرف ديوان الإنشاء مدةً بأمره، وكان بدمشق عينًا لأعيانها، وزينًا وحلية لبيانها، راقيًا للإيوان، ورائسًا للديوان، وكان عمي ثم أبي لا يعتمد كل منهما إلا على أمانته، ولا يرنح فكره إلا بإيضاحه وإبانته، وخطه أبهج من الروض الأريض، وأزين من النقش المخضر على معاصم الغواني البيض، وله من كثرة الاطلاع ما حقق به المآرب وصدق انه الشمس ضوؤها يغشى المشارق والمغارب، ولم يكن اكثر منه اتضاعًا في ارتفاع، وتنازلًا وهو في اليفاع، لا يجد في نفسه حرجًا لأحد، ولا مضضًا مِمّن انكر حقّه وجَحَد، لا يضره أي مكان حله، ولا يضره لبس عباءة ام حُلّه، وكان يتعرف الى الله عساه ولعله، ويتعرّض لقضاء حوائج الناس الله لا لعلة، هذا بلا تلكف يشق عليه في عرضه مطلوب، أو يشق به لعرضه أردية أو جيوب، مع ملازمته تلاوة يؤنس بها جانب الجامع المعمور، ومرآة يشرق بها وجه النهار ويغمر قلب الديجور، وعمل زاكِ صَحِبَ به الأحياء، وجاور سكان القبور.

ومن نثره قوله:

طالما حَلَّ الرتب العالية بجليل مقداره، وحلّى المناصب العالية بحلى أنواره، وما شب على معاطف مناقبه ذوائب فخاره، وهامَتْ الأفكار في أودية محامده وما بَلَغَتْ وصف محلّه ومقداره، وافتخر قلم الفتيا براحته، فتباعد السيف عن قربه خوفًا من مهابته، وسدّد الى الحق سهام أحكامه، فأصابت الأغراض، وعالج الأفهام بأفهام كلامه، فشفى صحيحُهُ الأمراض، وكان فلان ثمرة هذه الدوحة النضرة، ونشر الروضة الخضرة، فرسم بالأمر العالي ان يفوض إليه تدريس المدرسة الأمينية (١) بدمشق، فليكتب بها دروس فضله التي لا تُدرس الأيام آثارها، ويغرس في قلوب طلبتها حبّ فوائدِهِ، ليجتني ساعة غرسها ثمارها، لتصبح هذه المدرسة كنيفًا ملئ علمًا، وقليبًا حُشِيَ فهمًا، وفلكًا تبدي شمسًا وتخفي نجمًا، وكنانة يخرج من طلبتها في كل حين سهمًا.

قلت: هذا من توقيع كتبه في الأيام الكاملية حين خرج سنقر الأشقر على الملك المنصور لقاضي القضاة شمس الدين بن خلكان، وقد أخذت الأمينية له من نجم الدين بن سني الدولة (٢).


(١) المدرسة الأمينية: أول مدرسة بنيت للشافعية بدمشق (الدارس ١/ ١٧٧).
(٢) نجم الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن يحيى، قاضي القضاة، الملقب بسني الدولة، ولي قضاء القضاة بعد هزيمة التتار في عين جالوت، ثم عزل وولي قضاء دمشق، وتدريس الامينية، توفي سنة ٦٨٠ هـ (الدارس ١/ ١٩٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>