لم يدرِ رسم الدارِ كيف يُجيبنا … ولا نحنُ مِنْ فرط الأسى كيف نسأل (١)
نشكر الله موقفه (٢) في تلك الدمن ورقته التي قابل بها جفوة الزمن، ورأى هذا العهد الذي تمسكت منه الآن بحسب، ورعى له حق الدمع الذي جرى، فقضى في الربع ما وَجَب، ومن للملوك بوقفة في رسومها، واسترواحه بنسيمها، وسقياها بدمعه، وتجديد العهد بمغناها الذي كان يراه بقلبه، فأصبح وهو يراه بسمعه، ولقد علم الله أن الاحلام ما مثلتها لعينه إلا تأرّقت، ولا ذكرتها النفس إلا تمزقت، ولا تخيلتها فكرة فاستقرّت على حال من القلق، ولا جردتها الأماني لخياله إلا وراحَتْ مطايا الدمع في السبق:[من الطويل]
ولا قلتُ إيه بعدها لمُسامرٍ … مِنَ النَّاسِ إلا قال قلبي آها (٣)
على انه قد أصبح في ظلّ مولانا في وطن، وأنساه أنْسُه من خفَّ ومن قَطَنْ، وشرف بخدمته التي تعلي لمن خدمها منارا، واستفاد من الايام التي أخَذَتْ منه درهمًا، فأخذ عوضه دينارا (٤)، وأصبح لي عن كل شغل بها شغل (٥)[من المجتث]
فَسَل فؤادَكَ عنّي … يخبرك ما كان مني (٦)
وما ذكرتُ حبيبًا … إلا كنت الذي أعني
[من الطويل]
وان نظرت عيني سواك تلثمت … حياء باردان الدماء مع الدمع
ولو أني استطعت حفظتُ طرفي، ولو وصفت ما عسى ان أصفه من الشوق لكان الأمر فوق وصفي. [من الطويل]
وأني في داري وأهلي كأنني … لبُعْدِكَ لا دار لدي ولا أهل
وعرف المملوك الاشارة الى هذه السفرة ومتاعبها، والطرق ومصاعبها، والثلوج التي (٧) شابت منها مفارق الجبال، والمفاوز التي يتهيب السرى فيها طيف الخيال،
(١) البيت للبحتري ديوانه ٣/ ١٧٨٨. (٢) في الوافي: فنشكر الله بوقفة. (٣) رواية البيت في الوافي: ما قلت إيه بعده لمسامر … مِنْ الناس إلا قال دمعي آها ونسبه في شذرات الذهب ٧/ ٧٧٣ لياقوت المستعصمي. (٤) في الوافي: اخذت منه درهمًا، وأعاضته دينارا. (٥) في الوافي: عن كل شغل به شغل، وبعدها: واما الأشواق. (٦) سقط عجز البيت من الاصل، وورد الشطر فيه: فاسأل فؤادي عني، والتصويب عن الوافي. (٧) في الاصل: الذي.