للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والمرجو من الله تعالى ان تكون العقبى مأمونة، والسلامة فيها مضمونة، وكأن مولانا بالديار وقد دَنَتْ، والراحة وقد أذنت (١) والتهاني وقد أشرقت (٢) بوفودها تلك الرحاب، والرياض وَقَدْ أبدت من ملحها (٣) ما يكفر به ذنب السحاب، والأنس وقد أمسى وهو مجتمع القوى، والرحلة وقد ألقت عصاها واستقرت بها النوى.

ومنه قوله في كتاب كتبه عن الملك المنصور (٤) الى ابنه الملك الأشرف (٥) بفتح المرقب:

أعز الله نصرة الجناب العالي الولدي الملكي الأشرفي الصلاحي، عضد أمير المؤمنين، ولا زالت جيوشه تفتح من الممالك حصونها، وتبتذل مصونها، وتستنشد من السعادة غصونها، وتطوى لهم الأرض، ولا يبعد عليهم مرمى يعملون إليه العزائم وينصونها، ويقصون أجنحتها بالشكر ويُقْصُونها، تهدي إليه كل ساعة خبر جنوده وما مَلَكَتْ، وخيوله وما سلكت، وسيوفه وما فتكت، ومهابته وما أخَذَتْ، ومواهبه وما تركت، وتبدي لعلمه الكريم ان الهمم بها تنال الممالك، وترتقي المسالك، وقلّما ظفر بالمراد وادع، وكلّ أنف لا يأنف المسادة فهو أحق الأعضاء بالمجادع، ولم نزل نمثل في افكارنا الصورة التي أقدم عليها أهل حصن المرقب في مبدأ الأمر، عند اضطراب النيات، وضعف البينات، وغرور الأيمان الكاذبة، واستمالات الخيالات الجاذبة، ويأخذ في أمرهم الظاهر بالرخصة دون العزيمة، ويعمل على ما لو تمثل لهم صورة لجروا منه ذيل الهزيمة، ونستر ما تسدّده الى نحورهم من سهم، ونريهم أنا ندفع في صدور الحقيقة بالوهم، ونعرض عن مناقشتهم في الحساب، ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (٦)، ومتى لم يُؤاخَذْ المسيء بفعله، ويوف مقدار جهله، استدام طمعه، واستقام طلعه، وحركته دواعي الشره والشَّرَة، وتخيل السلامة في كل مرة، فلم نزل نتربص بهم ريب المنون، ونترك منهم ما كان في جنب ما يكون، إلى أن أن إمكان الفرصة، وجمعنا لهم بين الشرقة والغصة، فانفذنا إليهم المرمى، وأعددنا مسعانا في طاعة الله غنما، إذ كانت مساعي الملوك غُرما، ووصلنا السير بالسرى، وطرقناهم كما يطرق الكرى، وأوطأناهم حوافر الخيل،


(١) في الوافي: أنتَ.
(٢) الوافي: شرفت.
(٣) الوافي: من سنة حسناتها.
(٤) الملك المنصور ابراهيم بن شركوه، ملك حمص بعد ابيه، وتوفي سنة ٦٤٤ هـ (وفيات الاعيان ٢/ ٤٨١).
(٥) الملك الاشرف موسى بن ابراهيم، ملك بعد ابيه، ومات سنة ٦٦٢ هـ (وفيات الاعيان ٦/ ٤٨١).
(٦) سورة النمل: ٨٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>