والعالم بما كان وما يكون، وما مضى وما هو آت، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تضاعف الحسنات، وتمحو السيئات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبعوث بالآيات البينات، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار وأزواجه الطاهرات صلاةً باقيةً بعد نفاد الأزمنة وفناء الأوقات، وبعد، فالنكاح من السنن التي أمر الله بها ونَدَب إليها ورغب رسوله ﷺ فيها، وحَضَّ عليها فقال تعالى في كتابه العزيز المنزل على أفضل أنبيائه ورسله الذي لو اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثلِهِ لا يأتون بمثلِهِ: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١) وقال رسول الله ﷺ، وهو المخصوص بالشفاعة والكرامة: تناكحوا، تناسلوا أباهي بكم الأمم يوم القيامة، وقد جعل الله تعالى للزوجين أن يتواصلا وأن يتقاطعا، وأن يتباينا، وأن يتخالعا، ورخص لهما في المراجعة بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (٢) وكان من قضاء الله السابق علمه، وقدره المارق سهمه، ما ذكر في الكتاب المقرون بالبركة رقمه، المعجون بالسعادة ختمه كذا وكذا.
ومنه قوله، وهو حلّ بيت المتنبي، وهو:[من الكامل]
ان القتيل مضرّجًا بدموعهِ … مِثْلُ القتيل مُضرَّجًا بدمائه (٣)
قتيل (٤) الجفون في سبيل حبّه، كقتيل السيوف البواتر في سبيل ربّه، إلاّ أن هذا يغسل بدموعِهِ، وهذا يزمّل بنجيعه، وهذا في حال حياته ميت يرمق، وهذا في حال مماته حي يرزق.
ومنه قوله في حل أبيات ابن الرومي:[من الكامل]
وحديثها السحر الحلال لو أنه … لم يَجْنِ قتل المسلم المتحرّز (٥)
إن طال لم يملل وإن هي أوجزَتْ … وَدَّ المحدث انها لم توجز
شرك العقول وفتنة ما مثلُها … للمطمئن وعُقلة المستوفز
لا جناح على من شغف بفاترة الجنون، فاتكة العيون، عليل لحظها صحيح لفظها تعد السقام الشفاء من قربهما، وتوقع الأنام من شرك من هديها، وإن أثْبَتَتَ طعنت من ناضر غصن رطيب بعامل ذابل، وإن رمقت رَشَقَتْ عن قوس حاجب بنبل
(١) سورة النور: ٣٢. (٢) سورة البقرة: ٢٣. (٣) دوان المتنبي: ص ٣٥. (٤) قلائد الجمان: ٩/ ١٠٧ (٥) ديوان ابن الرومي: ٣/ ١١٦٤.