للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١) وتصور أن كاتبه قد جاوز البحر فأتْحَفَهُ بجواهره، بل جاور الملك فأسْعَفَهُ بعساكره وصدق تصوره كون ألفاظه جواهر، وكتابه كتائب، وعجبت لخروج الدر من العذب حتى تذكرت ان عادة البحر العجائب، وأما ما أمر به من النيابة عنه في خدمة مولانا الوزير، فقد ناب عنها لكن مناب تراب التيمم عن الماء الطهور، وأنهى مشافهاته وأدّى من جملها في الساعة الواحدة ما لا يفصل في عدة من الشهور، وأما أحوال المملوك، فإنه من صدقات الديوان ما يعدم سوى النظر الى طلعة مولانا التي هي عديمة النظير، ولا تشتهي غير الفوز بخدمته، وذلك هو الفوز الكبير، وكل هذا برفع محل مولانا لمحلّي، ولأجله لا لأجلي: [من الطويل]

أضمُّ قضيب البان من أجل قِدِّها … وألثم ثغر الكأس أحسبُه فاها

إلا ان المملوك قد أطال الإقامة في دار المقامة، ونال الكرامة حتى يكاد يسأم الكرامة وله أسوة بالقائل وقد طالت حياته: «سئمت تكاليف الحياة» (٢) وإذا أغْرَقَتْ المياه وإن كانت عذبة، شكيت المياه.

ومنه قوله:

وينهى ورود المثال الكريم بالنبأ العظيم، الذي أصمى القلوب، وأصمّ المسامع وأوقف الخواطر، وأجرى المدامع، وضيّق على النفوس مجرى الصبر الواسع، وفزعت الآمال فيه الى الكذب، فما أجدى جزع الجازع من نعي الامام الطاهر، التقي العلم الزاهر الزكي، خليفة الله المستنصر بالله بوأه الله جنان عَدْنِه، وأسكنه غرفات أمنه، وانتقاله عن الغمّة الضيقة الى الرحمة الواسعة، ومصيره من الدار المفرقة الى الدار الجامعة، فأظلم بها الافق لكسوف شمس الضياء، ودَجَى ليل الجو لخسوف قمر العلياء، وضحيت وجوه المكارم لتقلّص تلك الأفياء، وكادت تنفطر لفقدِهِ السماء ذات البروج بقضاء نَحْبِها، وبكته دموع قطرها من جفون سحبها، حتى خدّت خدود المروج، وشقت الأرض جيوب تربها فألبسها حدادًا من بياض الثلوج، فيا له خطبًا عمّ الوجود بأسره، وحص جناح الإيمان بحصه بل بكسره، وعرف كل عارف بفضاعة نكره، وقضى لكلّ قلب تجمع همه وتقسم فكره، وأعاد الاسلام غريبًا كما بدأ أول عمره، لكن أقْرِنَ به الخبر الذي سر السرائر، وجلى


(١) سورة الحديد: ٢٩.
(٢) تضمين لقول زهير بن أبي سلمى: [من الطويل]
سئمت تكاليف الحياة ومَنْ يعِش … ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم

<<  <  ج: ص:  >  >>