للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والبدر قد ألقى سُنى أنواره … في لجه المتجعِّد المتديج

فكأنّهُ إِذْ قَدَّ صفحةَ مَتْنِهِ … بشعاعِه المتوقد المتوهج

نهرٌ تكوّنَ مِنْ نُضارٍ مائع (١) … يجري على أرض من الفيروزج

قالها الملك الناصر داود وبعث بها إليه يعرضها عليه وهي أبيات يحق لها أن توصف بجودتها شرف قائلها، وإن لم تحل الذروة ولا أوْشَكَتْ.

ثم نعود الى تتمة ما نذكره، فمن قوله:

يقبل الأرض، وينهى انه فارق مالك رقه مرارًا، وما وَجَدَ لفراقه من الألم ما وَجَدَهُ هذه المرّة، وبعد عن جالب رزقه، فانضر ولا مثل هذه المضرة حتى توهم أنها فرقة الأبد، وداخله من الأسف ما لم يبق معه صبر ولا جَلد، وكلما شرع في الصبر، أبى الذكر أن يحدث له صبرا، وكلما سهل عليه الأمر، لم يزده تسهيله إلا عسرا، والله تعالى يسهل من اللقاء كل صعب عسير، ويجمع شمل المملوك بمالكه، ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (٢).

ومنه قوله:

المملوك يشافه أرض مالكه بقبول خضوعه، ويبل ترابها بوابل دموعه، ويستقل فيضها ولو أنه من سيل نجيعه، لما ناله من الحادث المؤلم الملم، والخطب المظلم المدلهم، بانتقال الولد الملك العزيز، فلقد وَرَدَ المملوك من الكتاب الوارد بنعيه مشرعًا كدر الموارد، عسر المصدر (٣)، وحضر منه مجمعًا كثير البوادي والحواضر، فيا له ناعيًا أصَمَّ الأسماع وأضماها، وأقذى العيون بل أعماها، وجرح القلوب فأدماها، وما أهمل سحب الجفون لكن أهْمَلَها وأهماها، وتبًا له من نغيص نغص الدنيا على أربابها، وإن كانت معشوقة محبوبة، وكره الحياة عند أصحابها مع انها شهية مطلوبة، وكان الأولى بالمملوك أن يصرف عن ذكر هذه الحادثة صفحًا، ولا ينكأ بتجديده بالقرح قرحًا، ولا يقصد لباب الجزع بعد انغلاقه فتحًا، ولا يطلع التعزية ليلًا، وقد طلعت التسلية صبحًا.

ومنه قوله:

وينهي ورود المثال الكريم، فوقف منه على اللفظ البليغ، والمعنى البديع، وعلم عند تدبّره انه ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٤)، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ


(١) في عيون التواريخ: يانع.
(٢) سورة الشورى: الآية ٢٩.
(٣) كذا في الاصل، ولعل الصواب: المصادر.
(٤) سورة يوسف: ٧٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>