مالكه، وتوعّر طرائق مسالكه، فطالما أظْلَمَ جوّه واغتم دوّه، فتسلّل منه بمخيلة دبت في السرّاء، ودلّت على الضرّاء، فخاف مساورة ذلك الأرقم، وترك مساقاة الشهد به خوفًا من العلقم، وكان طود حجًا وحجاج، وطوق جيد وحجاج زينة الى فصاحة شَبَّ على إرضاعها، وسماحةٍ تولّى حفظ مضاعها، وبلاغة كانت حلية لنظامه، وحلة لإحلاله في الصدور وإعظامه، ووزر جدي ﵀ بعده، ثم عاف تلك الدولة، ففارقها في ليلة قمراء مسودة، لأمور ما هذا ميقات شرحها، ولا مرقاة صرحها، فأما ما لابن بصاقة، فمن نثره قوله:
وأما الابيات الجيمية الجمة المعاني المحكمة المباني، المعوذة بالسبع المثاني، فإنها والله حَسَنَةُ النظام، بعيدة المرام، مقدمة على شعر من تقدمها في الجاهلية، وعاصرها في الاسلام، قد أخَذَتْ بمجامع القلوب في الإبداع، واستولت على المحاسن فهي نزهة الابصار والأسماع، ولعبت بالعقول لعب الشمول، إلا أن تلك خرقاء وهذه صناع، فإذا اعتبرت ألفاظها كانت درًا منظومًا، وإذا اختبرت معانيها كانت رحيقًا مختومًا، جلت بعلوها عن المغاني الطروقة، والمعاني المسروقة، ودلت بعلوها على أنها من نظم الملوك لا السوقة، فلو وَجَدَها ابن المعتز لا جرى زورقة الفضة في نهرها، وألقى حمولته العنبر في بحرها (١)، وألقى تشبيهاته بأسرها، ولو لقيها ابن حمدان لاغتم فرمى قوس الغمام، وانبرى زي السهام، وتغطى من أذيال الغلائل المصبغة بذيل الظلام، ولو سمعها امرؤ القيس لعلم أن فكرته ناصرة، وكرته خاسرة، وأيقن أن وحوشه غير مكسورة، وعقبانه غير كاسرة، فأين الجزع الذي لم يثقب، من الدر الذي قد ينظم ويهذب، وأين ذلك الحشف البالي من هذا الشرف العالي؟ فالله يكفي الخاطر الذي سمح بها عين الكمال الشحيحة، وتشفى القلوب العليلة، بأدوية هذه الانفاس الصحيحة، وأما الابيات فهي هذه (٢): [من الكامل]
ياليلةً قطعتُ عُمْرَ ظلامها … بمُدامةٍ صفراء ذات تأجج
بالساحل الباقي روائح نشره … عن روضه المتضوع المتارج
واليم زاء قد هدا تيّارُهُ … من بعدِ طُول تقلقل وتموّج
طورًا يدغدغه الشمال وتارة … يكرى فتوقظه بنات الخزرج
(١) اشارة لقول ابن المعتز: [من الطويل] قد اثقلته حمولةُ مِنْ عنبر … انظر اليه كزورق من فضة (٢) الابيات في مرآة الزمان ١/ ١٥٩، والوافي بالوفيات ١٣/ ٣٨٨.